كل الروايات تقود إلى حقيقة واحدة: الحوثيون قتلوا قحطان

هذا هو العنوان الصحيح والوحيد للواقعة الإجرامية التي بدأت عام 2015م باختطاف مليشيا الإمامة الحوثية لعَلَم كبير من أعلام السياسة والنضال في اليمن المعاصر من منزله في صنعاء وإخفاء مصيره عن أهله مدة تزيد عن العشر سنوات.

لقد قتلوا قحطان القيادي الشهير، رجل الحوار والتواصل والفاعلية، مثلما أرادوا دوماً بالفكرة الإمامية قتل قحطان الجد الأول لأهل اليمن، وقحطان اسم آخر من أسماء اليمن.

القول إنه قتل بضربة طيران، وهو قول لا دليل عليه، حتى لو صح، فهو لا يغير من حقيقة أنهم قتلوه.

كما لا يخفف من عار أنهم قتلوه تصنيفهم له أنه عدو ينتمي إلى المعسكر الآخر في الحرب.

حتى وفقاً لهذا التصنيف، قحطان أسير حرب من كبار القوم، وتصفيته سواء بالتعذيب وإساءة المعاملة داخل السجن أو بنقله عمداً إلى مكان معرض للخطر، لا فرق، يظل الفعل جريمة وفضيحة بحسب كل الأعراف والقوانين والأخلاقيات.

بديهي أن السجين أو الأسير لا يملك من أمره شيئاً، ولا يستطيع اختيار أين يبقى وأين يذهب، حياته وموته في يد سجانيه، وبالتالي فإن تعريض حياته عمداً للخطر هو شكل من أشكال التعذيب.

وإذا أفضى ذلك، إلى الوفاة فهو قتل بالتعذيب.

كما لا يوجد دافع لدى الطرف الآخر في الحرب -تحالف دعم الشرعية- كي يستهدف أسيراً أو سجيناً من المحسوبين عليه.

في كل الأحوال، المسؤولية واحدة، والوصف واحد: تعذيب واساءة معاملة أدى إلى وفاة أسير -سجين، معتقل- في الستين من عمره، وخلفه سيرة حياة من الحضور والألق.

وحتى لو قدموا كل الأدلة الجنائية التشريحية لإثبات رواية الوفاة بضربة طيران، فلن يجدوا دليلاً مقنعاً لإثبات أنهم لم يتعمدوا نقله إلى مكان يعلموا علم اليقين أنه معرّض للاستهداف المميت، خصوصاً مع وجود مواقف وتصريحات متداولة آنذاك دعت إلى نقل سجناء بعينهم إلى أماكن معرضة للقصف الجوي انتقاماً منهم لاتهامهم بتأييد التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية.

ومن الناحية المنهجية، لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون الوفاة نتيجة التعذيب قد وقعت داخل مكان الاحتجاز، ثم نُقلت الجثة لاحقًا إلى موقع تعرض للقصف، حتى لو أثبت التشريح أن الجسد أصيب بانفجار؛ إذ إن هذا النوع من الأدلة يحدد سبب الإصابة، لكنه لا يحسم وحده جميع تفاصيل التسلسل الزمني للوقائع أو يستبعد كل السيناريوهات الممكنة.

ويبقى أمر آخر لا يجوز إغفاله، وهو أن إخفاء مصير الرجل لأكثر من عشر سنوات يجعل من المرفوض التعامل بحسن نية مع أي رواية حول القضية من الجماعة.

صحيح أن الحوثيين قتلوا الكثير من القيادات اليمنية، فقد صعدوا على تل من الجماجم، عسكريين ومدنيين، من كل الجهات والمناطق والأحزاب، بعضهم غيلة والبعض الآخر في ميادين الحرب.

وصحيح أنهم وضعوا سجناء وأسرى في أماكن معرضة للقصف وتم استهدافهم بالفعل كما حدث للرجوي ورفاقه في سجن هران بذمار في مايو 2015م، لكنهم كشفوا عن مصيرهم في حينه.

ومع ذلك، هناك عناصر في واقعة قحطان تجعلها مختلفة عن غيرها من الوقائع: قتلوه بدم بارد وهو أسير وأعزل، ثم تكتموا على مصيره تماماً 10 سنوات، بكل وحشية ونذالة.

ولهذا فإن القضية لا يمكن اختصارها في السؤال: كيف مات محمد قحطان؟

فهناك سؤال لا يقل أهمية: لماذا أُخفي مصيره كل هذه السنوات؟

ولو كانت الرواية التي تُطرح اليوم صحيحة، فلماذا لم تُعلن منذ وقوع الحادثة؟

ولماذا تُركت أسرته والرأي العام اليمني يعيشون عقداً كاملاً من الغموض والانتظار؟

الإخفاء بحد ذاته عذاب جماعي يطال الزوجة والأبناء والإخوة والأصدقاء، ويبقي قلوبهم -السنة تلو السنة- معلقة بين الأمل واليأس، لا حياة مؤكدة ولا موت مؤكد.

لم يكن محمد قحطان شخصية عابرة في التاريخ اليمني الحديث، حتى يُطوى خبره بهذه السهولة: جثة بلا رأس ولا قفص صدري.

كان واحداً من ألمع الأصوات وأكثرها جاذبية وتأثيراً في المشهد العام، لا يكاد يغيب في كل المنعطفات الكبرى أو عن النقاشات الوطنية المصيرية.

عُرف بجرأته في التعبير عن مواقفه، وبقدرته على خوض الجدل السياسي بلغة هادئة وواثقة، وبنزعة عقلانية جعلته، في كثير من المحطات، أكثر انفتاحاً واستنارة من كثيرين من أبناء تياره السياسي، بل ومتقدماً عليهم بخطوات في مقاربة قضايا الدولة والحريات والحوار الوطني.

تجربته في العمل العام ثرية ومتنوعة، فلم تكن خطاً واحداً مستمراً من المعارضة الدائمة، أو من الموالاة الدائمة.

ولذلك يصعب اختزاله في صورة "الخصم الحزبي"، لأنه كان، قبل كل شيء، سياسياً في بلاد يميل التاريخ فيها إلى التقلب والإضطراب، وأسهم في صياغة كثير من المواقف التي طبعت الحياة السياسية خلال العقود الأخيرة.

مرة أخرى، لا ينبغي التعامل مع رواية الحوثيين السخيفة التي تقول إنه قتل بالطيران، لا تصديقاً ولا نفياً.

ويبقى العنوان العريض والثابت للقصة هو: الحوثيين قتلوا قحطان.

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال