كشفت وكالة "رويترز"، أن باكستان أبلغت إيران بأن هجمات ميليشيا الحوثي على السعودية تُعد هجمات عليها، محذرة من أن استمرار التصعيد قد يجر إسلام آباد إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ويعقّد دورها المحتمل وسيطاً بين الولايات المتحدة وطهران.
ونقلت الوكالة عن مسؤول باكستاني قوله إن "قيادتنا المدنية والعسكرية العليا أبلغت إيران على أعلى المستويات أن الهجمات على السعودية تُعد هجمات على باكستان"، مضيفاً: "هذا خط أحمر بالنسبة لنا".
وجاء الموقف الباكستاني عقب إطلاق ميليشيا الحوثي صواريخ باتجاه السعودية، بعد اتهامهم المملكة بقصف مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الجماعة، في تصعيد اخترق هدنة "هشة" غير معلنة استمرت نحو أربع سنوات، وسط مخاوف من اتساع المواجهات واندلاع جولة جديدة من الحرب بين الرياض والجماعة المدعومة من إيران.
وقالت "رويترز" إن باكستان، التي ساهمت الشهر الماضي في التوسط لاتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، كانت قد وقعت العام الماضي اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية، ونشرت آلاف الجنود في المملكة، إلى جانب سرب من الطائرات المقاتلة.
وأضافت أن مسؤولين ومحللين إقليميين يرون أن هجمات الحوثيين رفعت مستوى استياء إسلام آباد إلى درجة جديدة، مع تزايد المخاوف من أن يؤدي انخراط الجماعة في التصعيد إلى جر باكستان إلى الصراع بصورة أكبر من الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت السعودية في وقت سابق من العام.
وقال مسؤولان باكستانيان إن جنوداً باكستانيين ينتشرون قرب الحدود السعودية مع اليمن، ما يزيد من تعرضهم المباشر لأي تصعيد عسكري بين المملكة والحوثيين.
وأشار محلل الأمن الباكستاني محمد أمير رانا إلى أن "باكستان لم تكن تتوقع أن تتصاعد التوترات بهذه السرعة".
وبحسب التقرير، تخشى إسلام آباد أيضاً من أن يؤدي تصعيد تقوده جماعة الحوثي إلى تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، وهو ممر تجاري حيوي تعتمد عليه باكستان ودول أخرى، فيما قد يدفع استهداف المصالح السعودية إسلام آباد إلى التدخل عسكرياً بموجب اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.
وقال الجنرال الباكستاني المتقاعد غلام مصطفى إن "القيادة العليا في باكستان لا تزال تسعى لتهدئة جميع الأطراف"، محذراً من أن موقفها قد يتغير "إذا وسّع الحوثيون نطاق هجماتهم داخل السعودية".
وأفادت "رويترز" بأن التوترات الأخيرة بين الحوثيين والسعودية غذت مخاوف أوسع لدى باكستان تجاه الأوضاع داخل إيران، وسط تزايد الانقسامات بين القيادة السياسية والحرس الثوري بشأن إدارة الصراع والسياسة الخارجية.
ونقلت عن مسؤولين حكوميين باكستانيين أن إسلام آباد تتابع وجود تباين متزايد بين مواقف وأهداف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من جهة، والحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى.
وقال المحلل الدفاعي محمد علي إن "المؤسسة العسكرية تبدو مهيمنة على صنع القرار في إيران"، مضيفاً أن ذلك "بات يُلاحظ بشكل متزايد في إسلام آباد".
وساهم التصعيد الأخير، وفق الوكالة، في تأجيل زيارة وفد إيراني إلى باكستان كانت مقررة مطلع الأسبوع دون إعلان رسمي، قبل أن يصل الوفد، برئاسة وزير الداخلية إسكندر مؤمني، بعد يومين من الموعد المحدد، وسط توقعات بأن تتناول المحادثات الاتفاق الأميركي الإيراني.
ودعت وزارة الخارجية الباكستانية "جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس"، مؤكدة أنه "لا بديل عن الانخراط المستمر والحوار والدبلوماسية".
وتواجه باكستان تحدياً متزايداً في الموازنة بين تحالفها الدفاعي مع السعودية ومساعيها للوساطة بين واشنطن وطهران، في ظل اعتمادها بصورة كبيرة على دول الشرق الأوسط في إمدادات النفط والغاز، وتأثر خطوط الإمداد بالتوترات في مضيق هرمز.
وكانت الحكومة الباكستانية قد اتخذت إجراءات طارئة، من بينها تقليص ساعات العمل، لتجنب نقص الوقود، فيما يرى مسؤولون ومحللون أن وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران تهدف أيضاً إلى إعادة فتح مسارات إمدادات الطاقة، إلى جانب تعزيز نفوذها الدبلوماسي.
وقال مسؤول باكستاني: "نعم، هناك إحباط، لكن هذا لا يعني أننا سنتخلى عن هذا المسار. لقد استثمرنا فيه كثيراً ولدينا مصلحة في استمراره".
غير أن مصدراً باكستانياً مطلعاً أكد أن إسلام آباد ستقف إلى جانب الرياض في حال طلبت منها التدخل، قائلاً: "من مصلحة الجميع أن تنتهي الحرب، لكن إذا طلبت السعودية تدخلنا، فسنقف إلى جانبها دون شك".
ويأتي القلق الباكستاني في وقت كشفت فيه "رويترز" في وقت سابق أن إيران طلبت من ميليشيا الحوثي الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب وشن هجمات على حركة الملاحة في البحر الأحمر، في حال نفذت الولايات المتحدة تهديداتها باستهداف البنية التحتية لشبكة الكهرباء الإيرانية.
ونقلت الوكالة عن ثلاثة مصادر، بينها مصدران إيرانيان ومصدر من إحدى دول المنطقة، أن الفكرة نوقشت داخل القيادة الإيرانية، وأن طهران أبلغت الحوثيين خلال الفترة الأخيرة بالاستعداد لتنفيذها.
وأكد مصدر مقرب من الحوثيين أن الجماعة استكملت استعداداتها العسكرية، عبر نشر صواريخ وطائرات مسيرة في مناطق مطلة على مضيق باب المندب، وتنتظر صدور الأوامر لبدء الهجمات، مشيراً إلى أن ممثلين للحرس الثوري الإيراني الموجودين في اليمن سيتولون الإشراف على تحديد توقيت العملية.
وتزامنت هذه المعلومات مع استنفار زعيم الميليشيا عبدالملك الحوثي لأنصاره، ودعوته إلى الخروج في مظاهرات تحت مسمى "جمعة التحذير والنفير"، وتلويحه بما وصفه بالتصعيد الشامل ومعادلة "الحصار بالحصار" في مواجهة السعودية.
ويهدد أي تصعيد جديد في باب المندب والبحر الأحمر بجر اليمن إلى مواجهة عسكرية واسعة، وتعطيل حركة الملاحة، ورفع تكاليف الشحن والتأمين والاستيراد، ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية والأوضاع المعيشية في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتأمين احتياجات سكانه.
وسبق أن أدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر إلى اضطراب الملاحة الدولية وارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، فيما تحمل اليمنيون جانباً من آثارها في صورة ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات وزيادة الأعباء الاقتصادية والمعيشية.





