تعميم حكومي متأخر يعيد تصاريح الطيران من صنعاء إلى عدن ويذكّر بثغرة سيادية عمرها 12 عاماً

تعميم حكومي متأخر يعيد تصاريح الطيران من صنعاء إلى عدن ويذكّر بثغرة سيادية عمرها 12 عاماً

المصدر أونلاين - خاص

في خطوة حكومية متأخرة، جاءت بعد نحو 12 عاماً من سيطرة ميليشيا الحوثي على صنعاء، واستمرار مركز الملاحة الجوية فيها لإدارة حركة الطيران وتحصيل عائدات عبور الأجواء اليمنية، أصدرت الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تعميماً يمنع جميع مشغلي الطيران من دخول المجال الجوي اليمني دون الحصول على تصريح مسبق منها في العاصمة المؤقتة عدن.

وقالت الهيئة، في التعميم رقم "03-2026" الصادر أمس الأحد الموافق 18 يويول إنه "يمنع دخول جميع المشغلين إلى الإقليم الجوي اليمني إلا بموجب تصريح مسبق صادر من الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد - عدن، باعتبارها سلطة الطيران الشرعية في الجمهورية اليمنية".

وطالبت الهيئة شركات الطيران والمنظمات الدولية بتقديم طلبات تصاريح الرحلات عبر البريد الإلكتروني والأرقام التابعة لرئاستها في عدن، مؤكدة أن التعميم أصبح نافذاً اعتباراً من تاريخ صدوره.

ويمثل التعميم، في حال تطبيقه بصورة فعلية، أول إجراء معلن لحصر تصاريح دخول الأجواء اليمنية لدى هيئة الطيران في عدن، بعد سنوات ظلت خلالها تصاريح التحليق والعبور تُدار عبر مركز الملاحة الجوية في صنعاء الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، بما في ذلك التصاريح المتعلقة بالرحلات الدولية الوافدة إلى المطارات اليمنية.

الخطوة أعادت في الوقت ذاته فتح ملف نقل مركز الملاحة الجوية من صنعاء إلى عدن، باعتباره الجهة التي تتولى إدارة حركة الطيران داخل الإقليم الجوي اليمني والتواصل مع شركات الطيران العابرة، إلى جانب تحصيل رسوم عبور الطائرات.

سؤال برلماني للحكومة

عقب صدور التعميم الحكومي، وجّه عضو مجلس النواب محمد الحزمي، سؤالاً برلمانياً إلى رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني بشأن أسباب عدم نقل مركز الملاحة الجوية من صنعاء إلى عدن، رغم مرور سنوات على مناقشة الملف مع الحكومة.

وتساءل الحزمي عن "الأسباب التي حالت دون نقل المركز الملاحي للطيران المدني من العاصمة المحتلة صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن"، رغم أن لجنة برلمانية ناقشت الملف في وقت سابق مع رئيس الوزراء الأسبق معين عبدالملك، كما طالب الحكومة بتوضيح الأسباب التي أبقت إدارة الملاحة الجوية تحت سيطرة الحوثيين، بما يمكّن الجماعة من الاستمرار في التحكم بالملاحة الجوية والاستفادة من عوائد مالية كبيرة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات.

وسأل النائب عما إذا كانت الحكومة قد أجرت أي مراجعة أو تحقيق بشأن تعثر نقل المركز، وحددت المسؤولين عن تعطيله، مطالباً بوضع إطار زمني سريع لاستكمال نقله إلى عدن، بالنظر إلى ما يمثله الملف من أهمية "سيادية وأمنية واقتصادية".

وأكد الحزمي أن استمرار الوضع القائم تترتب عليه آثار تمس المصلحة الوطنية، مطالباً رئيس الحكومة بتقديم إجابة مكتوبة وواضحة إلى مجلس النواب وفقاً للإجراءات الدستورية واللائحية.

عشرات الملايين من الدولارات

ولا تقتصر أهمية مركز الملاحة الجوية على إصدار تصاريح الرحلات وإدارة حركة الطيران، إذ يرتبط المركز بعائدات مالية كبيرة تدفعها شركات الطيران مقابل عبور طائراتها الأجواء اليمنية.

وكان عضو مجلس النواب عبدالرزاق الهجري قد قال، خلال أول جلسة عقدها البرلمان في عدن في أبريل 2022، إن رسوم الطائرات العابرة للأجواء اليمنية تبلغ قرابة 45 مليون دولار سنوياً، وإنها كانت لا تزال تورد إلى الحوثيين في صنعاء.

وقال الهجري حينها: "رسوم الطيران التي تمر من أجواء الجمهورية اليمنية قرابة خمسة وأربعين مليون دولار سنوياً، وإلى هذه اللحظة لم تكلف الحكومة نفسها برسالة من وزير النقل إلى الهيئة الدولية المختصة بهذا الملف، وإلى هذه اللحظة لا تزال تورد إلى صنعاء".

تحقيق سابق لـ"المصدر أونلاين"، نُشر في مارس 2022، كان قد كشف أن شركات الطيران الدولية كانت تدفع بصورة منتظمة رسوم عبورها الأجواء اليمنية إلى الهيئة العامة للطيران المدني في صنعاء الخاضعة للحوثيين.

ونقل التحقيق عن مصدر في الهيئة أن تلك الإيرادات كانت تتجاوز ثلاثة ملايين دولار شهرياً، وتصل إلى نحو 40 مليون دولار سنوياً، مقابل رسوم عبور الطائرات، بما فيها طائرات الأمم المتحدة، أو هبوطها في المطارات اليمنية.

وبحسب المصدر، كانت الرسوم تورد إلى حسابات الهيئة في بنك التسليف التعاوني والزراعي "كاك بنك" في صنعاء، الخاضعة لسيطرة الميليشيا الحوثية.

وتتقارب تلك التقديرات مع ما أورده الهجري أمام البرلمان، ما يضع حجم الإيرادات التي ظلت تحت إدارة مركز الملاحة في صنعاء بين 40 و45 مليون دولار سنوياً، دون وجود بيانات حكومية حديثة توضح حجم الأموال المحصلة خلال السنوات اللاحقة أو الجهات التي آلت إليها.

مركز سيادي بقي في صنعاء

منذ سيطرة ميليشيا الحوثي بقوة السلاح وبدعم من إيران على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، نقلت الحكومة اليمنية عدداً من مؤسسات الدولة ومقار الوزارات والهيئات الإيرادية إلى عدن، إلا أن مركز الملاحة الجوية ظل يعمل من صنعاء، محتفظاً بدوره في إدارة الأجواء اليمنية والتواصل مع شركات الطيران الدولية.

كما ظلت الهيئة التي تديرها ميليشيا الحوثي في صنعاء تتعامل مع الرحلات العابرة والقادمة إلى المطارات اليمنية، في وقت عملت فيه هيئة أخرى تابعة للحكومة من عدن، ما أدى إلى انقسام إداري مع بقاء المهام السيادية والفنية الأهم مرتبطة بمركز صنعاء.

وكان رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، صالح سليم بن نهيد، قد وصف، في تصريحات نُشرت في 15 يوليو الجاري، استمرار وجود مركز الملاحة الجوية في صنعاء تحت سيطرة الحوثيين بأنه "وضع شاذ ومؤقت"، معتبراً بقاءه خارج سيطرة الدولة "تحدياً صارخاً لسيادة الدولة المعترف بها دولياً".

وبرر بن نهيد عدم نقل المركز إلى عدن حتى الآن بأن العملية "ليست مجرد قرار إداري يُتخذ بجرّة قلم"، وإنما ترتبط بإجراءات فنية وهندسية وأنظمة دولية معقدة تشرف عليها منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو".

وحذّر من أن أي إرباك في إدارة الممرات الجوية أو تهديد لسلامة الطيران قد يؤدي إلى سحب حق اليمن في تقديم خدمات الملاحة في بعض المسارات الجوية ومنحه لدولة مجاورة، مؤكداً أن الهيئة تعمل على تجهيز قطاع الملاحة في عدن تدريجياً، من دون أن يحدد جدولاً زمنياً لنقل المركز أو الإجراءات العملية اللازمة لاستعادة إدارته.

وأظهرت الرحلات الإيرانية الأخيرة إلى مطاري صنعاء والحديدة خطورة استمرار هذا الوضع، بعدما تمكنت طائرات إيرانية من اختراق الأجواء اليمنية استناداً إلى تصاريح مرتبطة بالجهات العاملة من صنعاء، رغم رفض الحكومة اليمنية تلك الرحلات واعتبارها انتهاكاً لسيادة البلاد واختصاصاتها الحصرية.

ويشير ذلك إلى أن إصدار تعميم من عدن، رغم أهميته القانونية والسياسية، قد لا يكون كافياً ما لم يتبعه نقل فعلي للقدرات الفنية والتشغيلية لمركز الملاحة الجوية، والحصول على اعتراف وتنسيق دوليين يضمنان تعامل شركات الطيران ومراكز المراقبة الإقليمية مع الهيئة الحكومية في عدن بوصفها الجهة الوحيدة المخولة بإصدار التصاريح.

اختبار التنفيذ

ورغم حديث رئيس الهيئة عن تعقيدات فنية ودولية تحيط بعملية نقل مركز الملاحة الجوية، يضع التعميم الجديد الحكومة وهيئة الطيران أمام اختبار يتعلق بقدرتهما على فرض القرار على شركات الطيران الدولية، وتوفير البنية الفنية اللازمة لإدارة حركة الطيران، ونقل المركز وأنظمته وكوادره إلى عدن.

كما يثير التعميم تساؤلات بشأن الإجراءات التي ستتخذها الحكومة لاستعادة رسوم عبور الأجواء اليمنية، ومنع تحويلها إلى حسابات خاضعة لسيطرة الحوثيين، فضلاً عن مصير العائدات التي جرى تحصيلها خلال السنوات الماضية.

وبعد نحو 12 عاماً من الحرب، يبدو أن استعادة السيطرة على الأجواء اليمنية لن تتحقق بالتعاميم وحدها، بل تتطلب إجراءات تشغيلية ودبلوماسية وفنية متكاملة، تبدأ بنقل مركز الملاحة الجوية إلى عدن، وتوحيد قنوات إصدار التصاريح والتحصيل المالي، وإنهاء ازدواج المؤسسات الذي أبقى أحد أهم الملفات السيادية والاقتصادية تحت إدارة الحوثيين في صنعاء.


شارك الخبر


طباعةإرسال