المصدر أونلاين - خاص
لم تحتج ميليشيا الحوثي سوى ثلاثة أيام لتقديم ردها الفعلي على المبادرة الأردنية الرامية لاستئناف الرحلات الجوية المنتظمة بين عمّان وصنعاء، وعلى الدعوة السعودية لها بالتفاعل الإيجابي مع الخطوة وتجنب أي إجراءات تصعيدية تزيد معاناة اليمنيين.
ففي الوقت الذي تفاوتت فيه ردود مسؤولي الجماعة على المبادرة بين قبول مشروط صدر عن وفدها المفاوض في الخارج ورفض صريح من قياداتها في صنعاء، حسمت الميليشيا موقفها، اليوم الإثنين 20 يوليو، بإعلان فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، والدعوة إلى مواصلة التعبئة العامة ورفد الجبهات بالمقاتلين.
وبذلك لم يأت الرد الحقيقي على المبادرة الأردنية من الوفد المفاوض أو ما تسمى "وزارة الخارجية" التابعة للميليشيا، وإنما من الجناح العسكري الذي أعلن نقل المواجهة من ملف مطار صنعاء إلى البحر الأحمر، مهدداً السعودية بما سماه "التصعيد الشامل والقاسي".
اختبار لمزاعم "الحصار"
بدأت التطورات، الجمعة 17 يوليو، عندما أعلنت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية استعداد الخطوط الجوية الملكية الأردنية لاستكمال الإجراءات الفنية واللوجستية اللازمة لتسيير رحلات منتظمة بين عمّان وصنعاء، استجابة للاحتياجات الإنسانية لليمنيين ودعماً لمسار السلام.
ورحبت الحكومة الشرعية بالمبادرة، مؤكدة استعدادها لتوفير التسهيلات اللازمة لإنجاحها، باعتبارها منسجمة مع المقترحات الحكومية السابقة لتشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة، سواء عبر الخطوط الجوية اليمنية أو أي ناقل معتمد يتم الاتفاق عليه.
كما رحبت السعودية بالخطوة، ودعت الحوثيين إلى التفاعل الإيجابي معها، بدلاً من تكرار الإجراءات التي قالت إنها تسببت في زيادة معاناة اليمنيين، وطالبتهم بالتوقف عن أي ممارسات تصعيدية تجر البلاد إلى مزيد من الحرب.
وضعت المبادرة الجماعة أمام اختبار عملي؛ إذ لم يعد الحديث يدور عن إغلاق مطار صنعاء أو حرمان المواطنين من السفر، بعدما أبدت شركة طيران عربية استعدادها لتشغيل رحلات منتظمة، ووافقت الحكومة المعترف بها دولياً على منح التسهيلات والتصاريح المطلوبة.
لكن ردود الحوثيين أظهرت أن القضية بالنسبة إليهم تتجاوز سفر المدنيين. فقد وصف مصدر في وفد الجماعة المفاوض برئاسة محمد عبدالسلام تشغيل بعض الرحلات بأنه "محاولة التفاف" على مطلب فتح المطار أمام جميع الوجهات، لكنه أبقى باب القبول موارباً، قائلاً إن تشغيل الرحلات يمكن أن يكون موضع ترحيب بشرط الاتفاق مع سلطات الميليشيا في صنعاء.
وبعد ساعات، صدر من داخل صنعاء موقف أكثر تشدداً على لسان عبدالواحد أبو راس، نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها)، الذي وصف مبادرة الحكومة الأردنية وطيرانها بأنها "مزايدات تافهة"، وقال إن الجماعة باتت تتحدث عن "انتزاع كامل الحقوق" وليس عن الرحلات الجوية فقط.
عكس الموقفان توزيعاً واضحاً للأدوار؛ إذ حافظ الوفد الموجود في الخارج تحديداً في سلطنة عمان على لغة تفاوضية تترك مساحة للمناورة أمام الوسطاء، بينما تولت القيادات في صنعاء رفع سقف المطالب وتهيئة جمهور الجماعة للانتقال إلى التصعيد.
وجاء إعلان حظر الملاحة البحرية ليحسم هذا التباين لمصلحة الاتجاه العسكري، وليؤكد أن مركز القرار داخل الجماعة لم يكن يتعامل مع المبادرة الأردنية بوصفها فرصة لتخفيف معاناة المواطنين، بل باعتبارها خطوة تنتزع منه إحدى الذرائع المستخدمة لتبرير التصعيد.
من مطار صنعاء إلى البحر الأحمر
لا يمكن فصل المبادرة الأردنية عن الأزمة التي فجرتها الرحلات الجوية الإيرانية خلال يوليو الجاري، بعدما وصلت طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" إلى صنعاء في الثالث من الشهر دون موافقة الحكومة اليمنية، قبل أن تحاول رحلة ثانية إعادة وفد حوثي من طهران في 13 يوليو، ما دفع القوات الحكومية إلى استهداف مدرج المطار لمنع هبوطها.
وخلال الأزمة، عرضت الحكومة تأمين عودة الوفد الحوثي عبر طائرة تستأجرها الخطوط الجوية اليمنية، قبل أن يأتي الإعلان الأردني ويوفر مساراً إضافياً لعودة الرحلات المدنية المنتظمة، إلا أن الميليشيا تمسكت عملياً بمسار الطيران الإيراني وبإدارة الرحلات الدولية بعيداً عن مؤسسات الدولة اليمنية.
كان قبول المبادرة سيعيد القضية إلى إطارها الطبيعي: مطار مدني يخدم المسافرين اليمنيين، ورحلات تخضع للقواعد المنظمة للطيران الدولي وسيادة الدولة على مجالها الجوي. أما رفضها، ثم الانتقال إلى تهديد السفن والموانئ السعودية، فيكشف أن ملف المطار لم يكن سوى جزء من مواجهة أوسع تتعلق بخط طهران–صنعاء، وبمحاولة تحويل الأراضي والمياه اليمنية إلى أوراق ضغط في الصراع الإقليمي، لاسيما مع الضغط الذي يتعرض له النظام الإيراني جراء الهجمات الأمريكية والحصار المفروض.
وتزداد دلالة الخطوة مع ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر إقليمية ومقربة من الحوثيين، قالت إن إيران ضغطت على الجماعة للاستعداد لإغلاق بوابة البحر الأحمر إذا واصلت الولايات المتحدة استهداف البنية التحتية الإيرانية، وإن الحوثيين نشروا صواريخ وطائرات مسيرة في مناطق مطلة على باب المندب وخليج عدن.
واعتبرت الوكالة أن إعلان الحظر يفتح جبهة جديدة في الحرب الأمريكية الإيرانية، ويوسع المخاطر التي تهدد إمدادات الطاقة والتجارة العالمية خارج مضيق هرمز.
بهذا المعنى، لم يكن إعلان الإثنين رداً على "حصار" مزعوم بقدر ما كان انتقالاً معلناً من أزمة محلية قابلة للحل إلى مواجهة إقليمية، تُستخدم فيها الموانئ والمطارات والممرات البحرية اليمنية لخدمة حسابات تتجاوز مصالح اليمنيين.
جماعة تشكلت في ميادين الحرب
لا يمثل تحويل المبادرات إلى فرص للتصعيد سلوكاً طارئاً في تاريخ الحوثيين. فمنذ اندلاع الحرب الأولى في صعدة عام 2004، خاضت الجماعة ست جولات من المواجهات المسلحة مع الدولة حتى فبراير 2010، فصلت بينها هدن واتفاقات لم تستمر طويلاً.
وتوثق منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن الحروب الست امتدت من يونيو 2004 حتى فبراير 2010، وأن كل جولة كانت تنتهي بوقف للقتال قبل أن تبدأ جولة أخرى، مخلفة خسائر واسعة في صفوف المدنيين وموجات متكررة من النزوح والدمار.
وبعد ثورة فبراير 2011، دخل الحوثيون مؤتمر الحوار الوطني بوصفهم مكوناً سياسياً، فظن البعض أنهم قد قرروا خوض المسار السلمي إلا أن قواتهم واصلت في الوقت نفسه خوض المعارك والتوسع خارج صعدة. وتشير دراسات مؤسسة "كارنيغي" إلى أن الجناح السياسي للجماعة كان يشارك في الحوار، بينما كانت قواتها تقاتل خصومها على الأرض، قبل أن تتقدم نحو عمران ثم تسيطر على صنعاء في سبتمبر 2014.
وفي صنعاء، وقعت الجماعة "اتفاق السلم والشراكة الوطنية"، الذي تضمن إزالة المظاهر المسلحة وتسليم أسلحة الدولة، لكنها احتفظت بقواتها وأسلحتها، ووسعت سيطرتها على المؤسسات، ثم وضعت الرئيس والحكومة تحت الإقامة الجبرية مطلع عام 2015.
ومنذ ذلك الحين، ظلت المفاوضات بالنسبة إلى الجماعة مساراً موازياً للحرب، لا بديلاً عنها؛ تفاوض حين تحتاج إلى تثبيت مكاسبها، وتقبل التهدئة عندما تمنحها فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، ثم ترفع مطالبها أو تعود إلى التصعيد عندما ترى أن موازين القوى تسمح بذلك.
وتشير دراسات متعددة إلى أن الحوثيين وقعوا منذ عام 2004 عشرات الاتفاقات التي لم يصمد أي منها، في حين خلصت دراسة أخرى إلى أنهم استغلوا هدنة عام 2022 لإعادة تجميع القوات وتجنيد المقاتلين وتعزيز مواقعهم على خطوط المواجهة، قبل أن يرفعوا سقف شروطهم عند مناقشة تمديدها.
هدنة 2022.. نموذج يتكرر
قدمت هدنة أبريل 2022 نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تحققه التهدئة لليمنيين، إذ أدت إلى تراجع نسبي في العمليات العسكرية والخسائر المدنية، وزيادة دخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، واستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء للمرة الأولى منذ نحو ست سنوات.
لكن مجلس الأمن قال إن "المطالب القصوى" التي قدمها الحوثيون في الأيام الأخيرة من مفاوضات التمديد في حينه عرقلت جهود الأمم المتحدة، وانتهت الهدنة رسمياً في 2 أكتوبر 2022.
وبعد أسابيع، هاجمت الجماعة بالطائرات المسيرة ميناءي النشيمة والضبة النفطيين، ثم استهدفت ميناء قنا وسفناً كانت تستعد لتحميل النفط، ما أدى إلى وقف صادرات الحكومة وحرمانها من أهم مواردها المالية، رغم استمرار دخول الوقود والبضائع إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين.
يشبه ذلك إلى حد بعيد ما حدث في يوليو الجاري: مبادرة لتشغيل مطار صنعاء وتسهيل سفر المواطنين، تقابلها الميليشيا برفع سقف المطالب، ثم تنقل المواجهة إلى الموانئ والملاحة، وتضع الاقتصاد والمصالح المدنية في مرمى التصعيد.
الحرب باعتبارها نظام حكم
لا تنبع حساسية الميليشيا تجاه السلام الشامل من الجانب العسكري وحده، بل من طبيعة السلطة التي بنتها خلال سنوات الحرب.
فالحرب وفرت للحوثيين بيئة مناسبة لتوسيع التجنيد، وفرض الجبايات، والسيطرة على المؤسسات والإيرادات، وإخضاع المجتمع بخطاب التعبئة المستمرة، وتبرير الاعتقالات وإغلاق المجال السياسي والإعلامي باسم مواجهة "العدوان" حسب توصيفاتها الفضفاضة والمتكررة.
وتؤكد دراسات متعددة أيضاً أن الحوثيين استغلوا الحرب وموقعهم المهيمن لدمج مؤسسات الدولة والاقتصاد الرسمي وغير الرسمي في منظومة تتيح لهم تمويل الصراع وإثراء قياداتهم، كما توثق فرض الجماعة نموذج حكم مركزي يقيد السلطات المحلية، ويوجه الإيرادات والموارد نحو تثبيت السيطرة وتمويل المجهود الحربي.
في المقابل، يفرض السلام الحقيقي استحقاقات تناقض هذه البنية؛ منها تسليم السلاح، وإنهاء احتكار القرار، وإعادة المؤسسات والإيرادات إلى الدولة، وفتح المجال السياسي، والخضوع للمساءلة، والقبول بالمواطنة المتساوية والتداول السلمي للسلطة.
لذلك لا يشكل وقف الحرب بالنسبة إلى الجماعة مجرد نهاية للمواجهات، بل تهديداً مباشراً للنظام السياسي والاقتصادي والأمني الذي بنته تحت غطائها، وكلما اقتربت التسويات من الانتقال من هدنة مؤقتة إلى سلام يعيد بناء الدولة، يصبح التصعيد وسيلة للتهرب من تلك الاستحقاقات.
إرث الإمامة ومخاوف الجمهورية
في الذاكرة السياسية اليمنية، يستدعي المشروع الحوثي مخاوف أعمق مرتبطة بتاريخ الإمامة، التي تعود نواتها الأولى إلى وصول الهادي يحيى بن الحسين الرسي إلى صعدة وتأسيس أول إمامة زيدية عام 897 ميلادية، قبل أن تستمر أنظمة الأئمة، بصور وفترات متقطعة، حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962.
ولا يتعلق هذا الربط بالمذهب الزيدي، الذي يشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الديني والاجتماعي لليمن، بل بالنظرية السياسية التي حصرت حق الحكم في سلالة بعينها، وربطت الوصول إلى السلطة بالخروج المسلح والتغلب.
تشير تقارير حقوقية أن الأئمة الزيديين حكموا اليمن لنحو ألف عام حتى أطاحت بهم الثورة الجمهورية، بينما توثق الدراسات الأكاديمية تأسيس الهادي الرسي أول إمامة زيدية في المرتفعات الشمالية أواخر القرن التاسع الميلادي.
ورغم تقديم الحوثيين أنفسهم حركة سياسية حديثة، فإن بنية القيادة المغلقة، والامتيازات الممنوحة للمنتمين إلى أسر هاشمية، والخطاب الذي يضع زعيم الميليشيا فوق المؤسسات والقوانين، يعيد إنتاج جوهر فكرة الحق السلالي في الحكم.
وتشير دراسة لمؤسسة "كارنيغي" إلى أن الحركة بنت جانباً من تضامنها الداخلي على الهوية الهاشمية والادعاء بالانتساب إلى النبي محمد، وما يرتبط بذلك من تصور يمنح المنتمين إلى هذه السلالة دوراً دينياً وقيادياً متميزاً.
ومن هنا ينظر كثير من اليمنيين إلى الحوثيين باعتبارهم امتداداً سياسياً للمشروع الإمامي، لا بسبب انتمائهم المذهبي، بل بسبب اعتمادهم القوة وسيلة للوصول إلى الحكم، ورفضهم المساواة السياسية، وتعاملهم مع الدولة الجمهورية باعتبارها غنيمة يمكن إخضاعها لمركز قيادة عائلي وسلالي.
لغم داخل أي تسوية
يقول الحوثيون في كل مرحلة إنهم مستعدون للسلام، لكن المشكلة لا تكمن في قدرتهم على توقيع اتفاق جديد، بل في استعدادهم لتحويل الاتفاق إلى التزام دائم، وقبولهم بأن يصبح السلاح والقرار السياسي والمؤسسات السيادية ملكاً للدولة لا أدوات تحت تصرف الجماعة.
ويوضح الانتقال السريع من المبادرة الأردنية إلى إعلان حظر الملاحة أن المسألة لم تكن رحلة جوية أو مطاراً مغلقاً، بل رفضاً لأي حل ينتزع من الجماعة مبررات الحرب ويعيد الملفات الإنسانية إلى مؤسسات الدولة والقانون.
وكل تسوية لا تتضمن ضمانات واضحة بشأن نزع السلاح، ووقف التعبئة العسكرية، وإنهاء السيطرة على مؤسسات الدولة، واستعادة القرار السيادي، ستظل معرضة لأن تتحول إلى هدنة تستخدمها الجماعة لالتقاط الأنفاس والاستعداد لجولة جديدة.
لقد قدمت عمّان طريقاً عملياً لتسهيل سفر اليمنيين، وقدمت الحكومة موافقتها، ودعت السعودية إلى التهدئة، لكن الحوثيين اختاروا البحر والجبهات والتعبئة العامة.
وبهذا أعادت الجماعة التأكيد أن السلام بالنسبة إليها لا يزال أداة للمناورة، بينما تظل الحرب البيئة التي نشأت فيها، والوسيلة التي توسعت بها، وأحد أهم الشروط التي يقوم عليها بقاؤها وسيطرتها.




