أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (7).. في "مطرة" معمل تصنيع المفخخات ومهد الانطلاقة الثانية للجماعة بعد مقتل المؤسس

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (7).. في "مطرة" معمل تصنيع المفخخات ومهد الانطلاقة الثانية للجماعة بعد مقتل المؤسس

المصدر أونلاين - خاص

في هذه المساحة يواصل أستاذ جامعي سرد ما تحتفظ به ذاكرته المنهكة من تفاصيل دورة حوثية حضرها مجبراً أثناء بقائه في صنعاء قبل أن يغادرها مؤخراً..

هذه الدورة التي شارك فيها الأستاذ الجامعي، الذي طلب عدم ذكر اسمه منعاً لما يمكن أن يتعرض له أقاربه من أذى، مع جمع كبير من زملائه الأكاديميين حاملي شهادة الدكتوراة في عدة تخصصات وتخرجوا من جامعات في مختلف بلدان العالم ليجدوا أنفسهم مجبرين على سماع ومناقشة محاضرات وملازم حسين وعبدالملك الحوثي بعد أن تهربوا كثيراً من الحضور..

في هذه الحلقة يسرد تفاصيل زيارتهم لمنطقة "مطرة" المعقل العسكري للجماعة منذ استئنافها نشاطها العسكري قبل الجولة الثانية من حروب صعدة، والقداسة والأهمية التي تضفيها الجماعة على المنطقة باعتبارها مهبط الكرامات والخوارق ومركز انطلاقتهم العسكرية بقيادة عبدالملك الحوثي بعد هزيمتهم في الجولة الأولى من الحرب ومقتل شقيقه مؤسس الجماعة حسين بدر الدين.

الأجزاء السابقة:

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (1).. حاملو الدكتوراة مجبرون على سماع ومناقشة هذيان حسين وعبدالملك

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (2).. الهروب إلي حمامات المسجد وسيلة الدكاترة للتخلص من الضجر وعجرفة المشرف

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (4).. للمشاركين فرحتان: استعادة هواتفهم والسفر إلى صعدة في حافلات خالية من المشرفين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (4).. للمشاركين فرحتان: استعادة هواتفهم والسفر إلى صعدة في حافلات خالية من المشرفين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (5).. بين الجرف والضريح بصمات جواس أكثر حضوراً من "كرامات" حسين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (6).. مقابر صعدة الفخمة مزار للمشاركين والقبور تتفاوت حسب المقامات

الجزء السابع:

يوم في مطرة:

غادرنا المقبرة في حدود الساعة الثامنة صباحاً وصعدنا إلى الحافلات إلا أن مسار الرحلة لم يتجه نحو الطريق العام الذي قدمنا منه، بل انعطفت الحافلات غرباً عبر طريق ترابي يبدو أن استخدامه محدود للغاية، وقد اتسمت طبيعة المنطقة التي تقع فيها المقبرة وكذلك الطريق التي كنا نسير عبرها بكونها شبه صحراوية مفتوحة، لا يوجد عمران سوى مباني قليلة بالقرب من الخط العام، وهذه المنطقة تقع إلى الجنوب من مدينة صعدة، وعلى مقربة منها، بحيث يمكن اعتبارها ضمن نطاق أطراف المدينة أو ضواحيها، وكما هي العادة فموكب الرحلة يتقدمه مشرف الدورة بسيارته الخاصة وبرفقته مرافقيه.

وبعد قطع مسافة تقدر بنحو كيلومترين من المقبرة توقفت الحافلات عند نقطة رفع عليها شعار الحوثيين وبجوارها منشأة صغيرة على هيئة دشمة، لم يكن القائمون عليها يرتدون زي الجيش أو الأمن، بل كانوا بملابس الميليشيا المعروفة، صعدوا إلى الحافلات وبحضور مشرفي الدورة وطلبوا من جميع المشاركين تسليم هواتفهم مغلقة، إضافة إلى أي أجهزة إلكترونية أخرى بحوزتهم بما في ذلك الساعات الإلكترونية مبررين ذلك بأن المنطقة التي سندخلها تعد منطقة عسكرية، وقد استجاب الجميع لهذا التوجيه وتم تسليم التلفونات لتستأنف الحافلات سيرها في الاتجاه ذاته غربًا.

واستمرت الحافلات في السير عبر طريق ترابي، ومع التقدم في المسير بدأت تظهر بعض الجبال منفردة بأشكال عجيبة والتي بدت على هيئة نتوءات منفصلة في أرض منبسطة دون أن تكون متصلة بسلاسل جبلية ممتدة، وقد اتسم الطريق بخلوه التام من الحركة، إذ لم نشاهد أي نوع من السيارات أو الأفراد باستثناء بعض الآليات العسكرية المدمرة الصدئة من أطقم وشاحنات وبعض دبابات متناثرة على جانبي الطريق في دلالة واضحة على آثار المواجهات المسلحة السابقة بين الحوثيين وقوات الجيش والأمن في أثناء الحروب الست.

وبعد نحو ساعة من السير المتواصل، وصلنا إلى منطقة واسعة الامتداد تعرف باسم "مطرة".

هذه المنطقة تمتد طوليًا لعشرة كيلومترات تقريبا ويتراوح عرضها بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات، وتتميز هذه المنطقة بخلوها التام من السكان وعدم وجود تجمعات سكانية قريبة منها، كما تحيط بها الجبال من مختلف الجهات ما يمنحها طبيعة دفاعية، وتعد المنطقة بوجه عام محصنة طبيعيًا من الناحية العسكرية، وتنتشر فيها على فترات متباعدة بقايا دُشم ومتارس وغرف صغيرة مبنية من الطوب "البلك" والحجارة.

توقفنا في منتصف هذه المنطقة بالقرب من مجموعة آكام صغيرة، ترجل الجميع من الحافلات وجلسوا في ظل الآكام، حيث ألقى مشرف الدورة المدعو أبو زيد محاضرة استمرت قرابة ساعة تناول فيها الأهمية الرمزية لمنطقة "مطرة" في تاريخ الميليشيات الحوثية، وأوضح أنها كانت الملاذ الذي لجأ إليه عبدالملك الحوثي ووالده بدر الدين الحوثي مع أنصارهم عقب مقتل حسين الحوثي خلال الحرب الأولى وما رافقها من عمليات ملاحقة وتشريد.

كما أشار إلى الدور الذي اضطلع به عبدالملك الحوثي في إعادة تنظيم صفوف الجماعة داخل هذه المنطقة، سواء على المستوى الفكري أو العسكري في مرحلة اعتقد فيها خصومهم أنهم تمكنوا من القضاء عليهم. وبين أن عملية إعادة البناء بدأت من الصفر من خلال جمع الأسلحة وشرائها وتدريب المقاتلين، ثم الانتقال إلى تنفيذ هجمات ضد قوات الجيش والأمن والتي وصفها بأنها كانت ذات تأثير كبير.

وتطرق كذلك إلى الحروب اللاحقة ولا سيما الحربين الثانية والثالثة موضحًا أن انطلاقتهما كانت من هذه المنطقة، مشيرًا إلى أن الجماعة استخدمت لأول مرة أسلحة من تصنيعها تمثلت في العبوات الناسفة والألغام التي تستهدف طقوم ودبابات الجيش.

وخلال حديثه عن الحرب الثالثة أشر بيده إلى موقع مقابل لمكان وجودنا يتمثل في جرف صخري بواجهة مبنية من البلك، وذكر أنه كان مقرًا يستقبل عبدالملك الحوثي لجان الوساطة التي كانت ترسلها الحكومة، وقد استعرض بعضاً من أسماء الوسطاء التي لم أعد أستذكرها لاحقًا.

ومن أبرز ما ورد في حديثه تأكيده أن منطقة "مطرة" تمثل ما وصفه بـقاعدة التأسيس الثاني للجماعة بعد التأسيس الأول الذي ارتبط بحسين الحوثي، وأنها شكلت مركزًا للإعداد والإنطلاق على المستويات العسكرية والفكرية والإعلامية. وربط بين ما وصلت إليه الجماعة لاحقًا من نفوذ وسيطرة وبين الجهود التي بذلت في هذه المنطقة، مشيرًا إلى أن ما يعلن عنه هذه الأيام من قدرات عسكرية متقدمة كالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة يعود في جذوره إلى بدايات التصنيع الحربي في هذا الموقع.

كما تطرق إلى إعادة تنظيم الجماعة حينها، وكيف جرى توزيع الأدوار والمسؤوليات فيها على المستويات العسكرية (التدريب، الإعداد، التصنيع، الإمداد)، والسياسية (التواصل الداخلي والخارجي)، والدعوية (الاستقطاب والتجنيد)، والإعلامية. وعند الجانب الإعلامي تحدث بفخر عن تفوقهم بإمكانات محدودة على إعلام الحكومة وحلفائها، رغم ما يمتلكونه من قنوات وصحف وكوادر.

وكشف لأول مرة بحسب قوله عن هوية المسؤول عن النشاط الإعلامي آنذاك، وهو القيادي الحوثي يوسف الفيشي، كما أشار بيده إلى المكان الذي استخدم كمركز إعلامي في منطقة "مطرة"، المركز كان يبعد نحو كيلومتر واحد عن موقعنا، مؤكدًا أنه لعب دورًا مهمًا في إدارة العمل الإعلامي في تلك الفترة، وأوضح أن الوسائل الإعلامية المستخدمة في تلك المرحلة كانت بسيطة تتمثل في نشرات ورقية محدودة التوزيع، إضافة إلى إعداد تقارير وإرسالها إلى وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

وقد اتسم حديثه بطابع استطرادي، حيث تنقل بين محاور متعددة ركز خلالها على تمجيد بدايات الجماعة وتطورها، وقد حاولت استحضار أبرز ما ورد فيها قدر الإمكان.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المحاضرة مثلت الجانب النظري من البرنامج، وقد أعقبها نزول ميداني بهدف – بحسب ما قيل لنا – إيضاح كيفية البدايات على أرض الواقع، حيث تم نقلنا إلى عدة مواقع داخل منطقة "مطرة"، وكان من أبرزها التوقف عند مكان قيل إنه كان مقر إقامة عبدالملك الحوثي مع عائلته، هذا المقر عبارة عن غرفة وحمام مبنيين من البلك ملتصقة بالجبل وكانت – وفق روايتهم – مخصصة لعبدالملك ليختلي فيها. وبجوارها مباشرة توجد مجموعة من الغرف الصغيرة المبنية من البلك أيضاً، قيل إنها كانت مخصصة لسكن عائلته.

ومن المواقف اللافتة خلال الزيارة أن أحد الزملاء بدافع السخرية والتعبير عن استيائه، انتظر حتى خرجنا من المكان الذي كان يعتبر المجلس الخاص بعبدالملك الحوثي، ثم قام بالتبول فيه في تصرف أراد به التعبير عن سخطه.

ومن ثم قاموا بنقلنا إلى ورش ادعي أنها مخصصة للتصنيع العسكري، وقد لاحظنا وجود بقايا لمكونات أسلحة خردة مثل مدافع وقذائف هاون بمختلف عياراتها، غير أن طبيعة هذه الورش كانت تشير إلى استخدامها في تصنيع الألغام والعبوات الناسفة.

كما أدخلونا إلى جرف آخر قيل إنه معمل كيميائي يحتوي على أجهزة تشبه إلى حد ما معدات المختبرات الطبية، إلا أن جميعها كان قديمًا، وقد اتضح لمعظم الحاضرين — باستثناء ما يتعلق بورش تصنيع الألغام — أن بقية هذه المعامل لا تعدو كونها عرضًا شكليًا لا يمت إلى الواقع بصلة، خاصة وأن بين المشاركين أساتذة جامعات وخريجي كليات علمية من جامعات غربية ومنهم أطباء ومهندسون وكيميائيون.

وكان كلما انتهينا من زيارة موقع وعدنا إلى الباصات لزيارة موقع آخر، تتحول الأجواء داخل الباصات إلى حالة من السخرية والتعليق على ما عرض علينا، وكنا نردد بصوت واحد عبارة ( (الله والفعلة) وهي تعبير عن سخطنا من طريقة الحوثيين في محاولة استغفالنا والاستخفاف بنا على الرغم من معرفتهم من نكون وأن مثل هذه الأشياء لا تنطلي على من هو في مستوانا لا سيما ما قدم على أنه صناعات حربية وعسكرية.

اليوم الأخير في صعدة

كان من المقرر أن تتضمن فعاليات اليوم الأخير زيارة مسجد "الهادي" الشهير في صعدة، إلا أن هذه الزيارة لم تنفذ بسبب ما قالوا إنها "مستجدات" لم نعرف طبيعتها، ويبدو أنها وصلت إلى القائمين على النشاط. وبناءً على ذلك قضينا نصف اليوم في التجول داخل شوارع المدينة باستخدام الحافلات.

ومن الأمور التي تسترعي الإنتباه أنه خلال تجولنا في شوارع صعدة لم نرَ أي حضور للنساء على الإطلاق، لا في الشوارع ولا في المحلات، ولأن أغلبنا يزور المدينة للمرة الأولى لم نكن نعلم هل هذا المشهد قديم ومتعارف عليه، أم أنه سلوك مستحدث فرضه الحوثيون مؤخرًا.

وعند حلول وقت الظهر توجه الجميع إلى المطعم لتناول وجبة الغداء، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى أحد المقرات التابعة للحوثيين وهو مبنى واسع مكون من ثلاثة طوابق تم إدخالنا إلى الطابق السفلي (البدروم)، والذي بدا مجهزًا كقاعة للمحاضرات والأنشطة، حيث كان مفروشًا على هيئة مجلس عربي ومزودًا بنظام صوتي وشاشة عرض كبيرة.

في هذا البدروم أدينا صلاتي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، وبعد الصلاة تم توزيع القات كالمعتاد يوميًا، ثم جلسنا للاستماع إلى المحاضرة الختامية التي ألقاها مشرف الدورة المدعو "أبو زيد"، والتي تضمنت جملة من التوجيهات ذات الطابع العاطفي، واختتمها بالاعتذار عما قد يكون بدر منهم من تقصير مع طلب المسامحة.

وعند الختام تم توزيع هدية لكل مشارك تضمنت كيس يحتوي على مصحف مفسر بتفسير مختصر للقرآن منسوب إلى بدر الدين الحوثي، بالإضافة إلى جميع ملازم حسين الحوثي، وكتاب بطبعة ملونة فاخرة يضم مجموعة من خطابات عبد الملك الحوثي, كما شملت الهدية عددًا من المنشورات التي تحث على التعبئة العامة وملصقات تحمل شعار الصرخة، إلى جانب سجادة صلاة ومسبحة طويلة (ذات المائة حبة).


شارك الخبر


طباعةإرسال