أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (6).. مقابر صعدة الفخمة مزار للمشاركين والقبور تتفاوت حسب المقامات

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (6).. مقابر صعدة الفخمة مزار للمشاركين والقبور تتفاوت حسب المقامات

المصدر أونلاين - خاص

في هذه المساحة يواصل أستاذ جامعي سرد ما تحتفظ به ذاكرته المنهكة من تفاصيل دورة حوثية حضرها مجبراً أثناء بقائه في صنعاء قبل أن يغادرها مؤخراً..

هذه الدورة التي شارك فيها الأستاذ الجامعي، الذي طلب عدم ذكر اسمه منعاً لما يمكن أن يتعرض له أقاربه من أذى، مع جمع كبير من زملائه الأكاديميين حاملي شهادة الدكتوراة في عدة تخصصات وتخرجوا من جامعات في مختلف بلدان العالم ليجدوا أنفسهم مجبرين على سماع ومناقشة محاضرات وملازم حسين وعبدالملك الحوثي بعد أن تهربوا كثيراً من الحضور..

في هذه الحلقة يسرد تجربتهم في زيارة مدينة صعدة التي يطبق الحوثيون فيها نموذجاً أكثر تشدداً إذ يمنع حتى خدمة الإنترنت في الفنادق وتلفزيوناتها لا تبث سوى القنوات الحوثية والموالية لها، وكيف تعتني الجماعة بمقابر قتلاها وتمارس التمييز بينهم حتى في أشكال وفخامة القبور.

الأجزاء السابقة:

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (1).. حاملو الدكتوراة مجبرون على سماع ومناقشة هذيان حسين وعبدالملك

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (2).. الهروب إلي حمامات المسجد وسيلة الدكاترة للتخلص من الضجر وعجرفة المشرف

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (4).. للمشاركين فرحتان: استعادة هواتفهم والسفر إلى صعدة في حافلات خالية من المشرفين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (4).. للمشاركين فرحتان: استعادة هواتفهم والسفر إلى صعدة في حافلات خالية من المشرفين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (5).. بين الجرف والضريح بصمات جواس أكثر حضوراً من "كرامات" حسين

فيمايلي الجزء السادس من السلسة

المبيت في صعدة

مع أذان المغرب كان معظمنا قد صعد من الجرف واتجه نحو الحافلات التي كانت بانتظارنا عند مفرق جرف سلمان القريب من الخط الإسفلتي, وبحكم أننا على سفر، عزمنا على أداء الصلاة جمع تأخير وقصر. صعدنا إلى الحافلات وبعد التأكد من تواجد الجميع على متنها انطلقت عائدة عبر الطريق ذاته نحو مدينة صعدة، حيث كان من المقرر أن نقضي ليلتنا هناك.

لم يلبث الليل أن أرخى سدوله سريعًا، فخيم الظلام وتكاثفت الغيوم والضباب، حتى غدت الرؤية محدودة، كانت الحافلات يرافقها الضباب تشق طريقها في المنعطفات الجبلية مبددة ظلام الليل عبر مصابيحها الامامية، وسط هذا المشهد الملبد وفي ظل الحالة التي تعتري متعاطي القات بعد مضغه - وهي حالة معروفة لدى اليمنيين من صمت وشرود وكآبة - ساد الهدوء داخل الحافلة إلى أن كسره بعض رفقائنا الإصلاحيين وهم الغالبية في الحافلة، حين شرعوا في تلاوة ما يعرف لديهم (بـالمأثورات) وعادة ما يقرأونها في الصباح والمساء كورد يومي, فالذي سبق له أن رافق الإصلاحيين في سفر أو زاملهم في الدراسة يدرك هذا السلوك لديهم، وهي عبارة عن آيات من القرآن الكريم وأدعية نبوية كأذكار الصباح والمساء، فكان لذلك أثر طيب في تحسين مزاجنا وإخراجنا من حالة الصمت.

وللتخفيف من عناء السفر دار بيننا نقاش علمي وأكاديمي شارك فيه الجميع بآرائهم، حتى وجدنا أنفسنا على مشارف مدينة صعدة عند الساعة التاسعة مساءً. كان الفندق الذي سنقيم فيه محددًا مسبقًا، وقد فوجئنا بانتشار عدد من الفنادق الجديدة في المدينة، أبرزتها الأضواء والزينة على واجهتها وقد أضفت جمالاً ليلياً على المدينة، ومنها الفندق الذي نزلنا فيه، إذ بدا جديدًا من حيث البناء والتصميم والتجهيزات، على خلاف ما كنا نتوقعه من فنادق مدينة حدودية نائية مثل صعدة.

دخلنا الفندق حاملين أمتعتنا وتم توزيعنا على الأجنحة، وصعد كل منا إلى جناحه عبر المصعد، وقد اتسمت الأجنحة بمستوى عالٍ من النظافة والترتيب وجودة الأثاث والتجهيزات.

وبغية استعادة النشاط بعد عناء الرحلة، استحم الجميع بماء دافئ ثم أدينا صلاتي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا. وما إن فرغنا حتى كان العشاء قد وزع على الأجنحة، فتناولناه ثم بدأنا بمضغ القات الذي تبقى معنا، من الذي حصلنا عليه في قرية الشعف في أثناء الاستراحة للغداء وقد كان كثيرا، ونتيجة لأننا في فترة حرة فقد قضينا ليلة ممتعة في السمر امتدت حتى ما بعد منتصف الليل.

ومن اللافت أننا طلبنا كروت إنترنت من إدارة الفندق كما هو معتاد في معظم الفنادق، غير أننا فوجئنا بعدم توفر خدمة الإنترنت عبر الشبكة الداخلية للفندق، إذ إنها غير مسموح بها في فنادق صعدة وفق توجيهات حسب زعمهم من قبل عبدالملك الحوثي، ويقتصر الاستخدام على بيانات الهاتف المحمول(G3)، كما أن القنوات الفضائية داخل الفندق كانت مضبوطة على القنوات التابعة لهم واستبعاد القنوات التي يصفونها بقنوات العدوان والمرتزقة. وهذا حسب علمي أن أغلب الفنادق حتى في صنعاء وأغلب المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم لديهم توجيهات بضبط القنوات وجعل القائمة المفضلة هي قنوات الحوثي وحزب الله والقنوات التي توافقهم في التوجه، إلا أن الرقابة عليها ليست مشددة مثل محافظة صعدة، وهناك تفسير آخر سمعناه في الفندق أن الحوثي لديه توجه بجعل صعدة ذات خصوصية تميزها عن باقي المحافظات من نواحي عده، أيضا محاولة وضع هالة من التشريف والقداسة للمدينة على اعتبار أنها معقل الجماعة ومركز انطلاقها.

اليوم الثاني في صعدة

بدأ اليوم في وقت مبكر، إذ غادر الجميع الفندق عند الساعة السادسة صباحًا على متن الحافلات متجهين إلى أحد مطاعم المدينة لتناول وجبة الإفطار, وقد أُبلغنا أن برنامج اليوم سينطلق مباشرة بعد الانتهاء من الإفطار، وبمجرد الانتهاء عاد الجميع إلى الحافلات التي تحركت بنا خارج مدينة صعدة.

وخلال الطريق اعترضتنا سيارة مسؤول الدورة المدعو أبو زيد، حيث ترجل منها مع مرافقيه وهم يحملون أكياسًا كبيرة من البرتقال، ووزع على كل حافلة كيسًا، قائلاً إن هذا من أجود أنواع برتقال صعدة، وقد أرادوا إكرامنا به. وبالفعل كان البرتقال من النوع الفاخر المعروف بـأبو سُرة.

واصلنا السير لمسافة ليست بعيدة عن مدخل المدينة، حيث انعطفت الحافلات يمينًا عبر طريق ترابي قصير لا يتجاوز بضع مئات من الأمتار، لتتوقف فجأة بجوار مقبرة كبيرة محاطة بسور، كُتب على بوابتها "روضة الشهداء"، وفق التسمية الشائعة لدى الحوثيين، حيث يروجون لفكرة أن مقابر قتلاهم من رياض الجنة, وقد بدا واضحًا أننا أمام مقبرة واسعة تغطي القبور معظم مساحتها ولم تترك سوى ممرات ضيقة بينها، ما يشير إلى امتلائها بقتلاهم منذ بداية انقلاب عام 2014.

طُلب من الجميع النزول من الحافلات والدخول إلى المقبرة في إطار أولى فقرات البرنامج. وعند دخولنا لفت الانتباه ما يبديه الحوثيون من عناية بتنظيم المقابر، حيث كانت القبور مرتبة في صفوف منتظمة مبنية بارتفاع نصف متر، ومغطاة بعشب صناعي أخضر شبيه بذلك المستخدم في ملاعب كرة القدم، بحيث يبدو للناظر من بعيد كأنه عشب طبيعي, ليصدق القول فيهم يجيدون فن الموت ولا يجيدون فن الحياة، كما وُضعت على كل قبر صورة ملونة للقتيل مدون عليها اسمه وتاريخ ومكان مقتله.

وخلال التجول بين القبور كان من اللافت أن نسبة كبيرة من القتلى هم من صغار السن، بينهم أطفال تم استدراجهم ثم الزج بهم إلى ساحات القتال.

وفي مقدمة المقبرة برز قبر يختلف بشكل واضح عن سائر القبور من حيث الحجم والارتفاع وطبيعة البناء؛ إذ شُيد باستخدام الرخام والسيراميك وأُحيط بأعمدة تشبه تلك الموجودة في المنصات الرسمية، مع مظلة تعلوه، كما تميزت الصورة الموضوعة عليه من حيث الحجم والإطار الفاخر، ونُقش الاسم على لوحة رخامية باسم "الشهيد القائد السيد طه المداني".

ولإضفاء مزيد من الرمزية والتقديس قام المنظمون بدفع بعض المرافقين لنا منذ بداية الدورة - والذين كانوا يؤدون دور العسس - لالتقاط صور تذكارية بجوار هذا القبر في محاولة لإظهار وجود حالة من التقدير والولاء. غير أن هذا السلوك لم يلقَ تفاعلًا يُذكر من المشاركين، باستثناء قلة قليلة لم يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وقد قوبل فعلهم بتعليقات ساخرة وانتقادات من بقية الحاضرين.

ويعكس هذا التمييز في شكل القبر ومكانته صورة مصغرة لطبيعة الفكر القائم على التفريق حتى بين القتلى أنفسهم.

ويذكر أن طه المداني قُتل عام 2015 في مدينة دمت على يد المقاومة التي كان يقودها البطل نايف الجماعي. ومع ذلك درج الحوثيون على نسبة مقتل عناصرهم إلى ما يسمونه "العدوان السعودي"، حتى في الحالات التي سقطوا فيها في مواجهات مباشرة مع المقاومة الشعبية أو الجيش الوطني، في سياق خطاب يسعى إلى التقليل من دور هذه القوى وعدم الاعتراف بإنجازاتها.

ويعد طه المداني من أبرز القيادات العسكرية الحوثية، إن لم يكن في مقدمتها، بحسب ما يتداول في الأوساط الإعلامية.

ومما يلاحظ أن زيارة المقبرة بدت في ظاهرها عادية، دون أي تدخل يُذكر من قبل المشرفين على الدورة في تنظيمها أو إدارتها، إذ اقتصر دورهم – بحسب ما ظهر – على إيصالنا إلى بوابة المقبرة فحسب. غير أن هذا المظهر الخارجي لا يُخفي إدراك الجميع لوجود هدف وراء هذه الزيارة، إلى جانب الدور الذي يقوم به بعض أتباعهم المندسين بين المشاركين منذ بداية الدورة، حيث تولوا مهمة المراقبة والتقييم ورفع التقارير بشأنهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يريد الحوثيون من وراء جعل زيارة مقابر قتلاهم جزءً من برنامج دوراتهم؟


شارك الخبر


طباعةإرسال