يحيى بن حمزة ومحاولة استنقاذ الزيدية من الدوغمائية الجارودية

كيف شرعنت خرافة النص الجلي لقرون من الحروب الأهلية؟

شهد الفكر الزيدي في اليمن تحولات ملفتة في نظرته إلى الإمامة والصحابة والعلاقة مع المخالف. وفي هذه التحولات كانت عقيدة التَقوَل على الله بالنص الجلي، وما ترتب عليها من تكفير للصحابة والأمة واستباحة القتال لفرض المعتقد الإمامي، هي النواة المؤسسة للاتجاه الأكثر تشددًا داخل الزيدية التاريخية.

فمن اعتقد بالنص الجلي على الصورة الجارودية الهادوية، ثم اعتقد بامتداد هذا النص في سلالة البطنين، وبوجوب الخروج بالسيف لاسترداد "الحق الإلهي"، كان من الطبيعي أن ينتهي إلى تكفير المخالفين أو تفسيقهم واستباحة دمائهم وأموالهم.

وبناءً على ذلك، يصبح من السذاجة السياسية القاتلة التعامل مع هذا المعتقد باعتباره حرية مذهبية معزولة عن توابعها؛ فمن يعتقد أن الإمامة حق إلهي ممتد في سلالة البطنين، وأن الجهاد في سبيل هذا الحق واجب، يجد نفسه مدفوعًا بضرورة عقائدية للخروج بالسيف لانتزاع هذا الحق وتكفير الأمة المخالفة له واستباحة دماء المعارضين.

وتتحمل هذه النظرية جانبًا كبيرًا من المسؤولية الفكرية عن دورات الصراع المتعاقبة التي شهدها اليمن باسم الإمامة، وما رافقها من إزهاق ملايين الأرواح واستنزاف للطاقات وتعطيل لمسار الدولة والمجتمع. كما يتحمل مسؤوليتها كل من روّج لها أو تسامح معها أو قصّر في نقدها وكشف تناقضاتها.

الانحراف الأيديولوجي الأول:: كيف اختطفت الجارودية ثورة زيد بن علي؟

تؤكد الشواهد التاريخية أن مفهوم "النص الجلي" لم يكن معروفًا في القرنين الأول والثاني الهجريين في أدبيات الأئمة الأوائل من رجالات البيت العلوي. بل إن الأئمة أنفسهم حذروا مرارًا من الغلاة الذين تجاوزوا حدود المحبة إلى صناعة عقائد لم يقولوا بها.

وقد قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين: "يا أهل العراق، أحبّونا حب الإسلام، ولا تحبّونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شيناً".

كما نُقل عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إنكاره لفكرة وجود نص سياسي صريح على الإمامة، مؤكدًا أن النبي ﷺ لو أراد تعيين علي حاكماً بعده لأفصح بذلك للأمة إفصاحًا لا يحتمل اللبس.

ورغم موقف الإمام زيد بن علي الحاسم من الغلاة الذين رفضوا نصرته حتى يتبرأ من الشيخين؛ ومع كل هذا الوضوح فقد تمكن الفكر الإمامي في منتصف القرن الثاني الهجري من اختراق البيئة المؤيدة لثورة زيد بن علي واستغلال الفراغ المرجعي بعد استشهاده وهروب بقية الأئمة العلويين، وتمت بلورة مذهب جديد يجمع لأول مرة بين التكفير العقدي للمخالفين والخروج العسكري. وأُسندت هذه المهمة المعرفية لشخصية غامضة ومثيرة للجدل: أبو الجارود زياد بن المنذر.

و أبو الجارود هذا اتفق علماء نقد الحديث على اتهامه بالكذب ولقبه الإمام محمد الباقر بـ"سرحوب" (الشيطان الأعمى)، وكان إماميًا متطرفًا يقول بتكفير الصحابة ولا يؤمن بقتال المسلمين وعندما خلع عباءة الإمامية وارتدى مسوح الزيدية حوّل حركة زيد القائمة على قيم العدالة السياسية ومقاومة الظلم إلى عقيدة عسكرية عنصرية تكفيرية مغلقة جمعت بين رذيلة التكفير ورذيلة الخروج المسلح، وبذلك تشكلت الجارودية كأول تمظهر مكتمل لمذهب شيعي، وأول محاولة لتحويل التأييد السياسي لثورة علوية إلى عقيدة مذهبية مغلقة، قائمة على تكفير المخالفين وإضفاء القداسة على الصراع السياسي. ولم يحدث هذا الانحراف على يد إمام علوي، ولكنه تبلور على يد رجل مطعون في أمانته وصدقه وعلمه عند أقطاب البيت العلوي وأهل السنة على حد سواء. وحينها كانت عقيدة الأئمة العلويين في الصحابة هي نفس عقيدة أهل السنة والجماعة.

كيف تحول "التوقف عن الترضي" إلى عقيدة تكفيرية كهنوتية؟

في القرن الثالث الهجري، انتقلت لوثة هذا الخطاب الجارودي لاول مرة لأحد الأئمة العلويين هو القاسم بن ابراهيم الرسي، الذي اتخذ موقفًا مغايرًا لإجماع الصدر الأول من أئمة البيت العلوي (كعلي والحسن والحسين وزيد بن علي وجعفر الصادق والباقر وغيرهم) الذين تواترت عنهم نصوص الترضي عن الصحابة. و كان القاسم الرسي أول إمام علوي يجاهر برفض موالاة الصحابة والترضي عمن رضي الله عنهم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغم أن الرسي لم يجاهر باللعن والتكفير كما فعلت بعض الاتجاهات الرافضية، إلا أن تبنى موقف التوقف يعكس بالضرورة المنطقية اعتقاد السوء في الجيل الإسلامي المؤسس الذي حمل رسالة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، وكانوا خير أمة اخرجت للناس، وهذا الانحراف مثّل خطوة مهمة في طريق إعادة بناء النظرية الجارودية داخل الزيدية.

ثم جاء حفيده يحيى بن الحسين الملقب بالهادي في أواخر القرن الثالث الهجري ليمنح هذه النظرية بعدها السياسي والعسكري الكامل، حيث تحولت الإمامة من قضية اجتهادية إلى عقيدة فاصلة بين الإيمان والكفر، وانعكس ذلك في ممارسات التكفير واستباحة الدماء وتأثيم جمهور الأمة، وفي مقولات الهادي المشهورة في كتاب الأحكام القاضية بتكفير كل من ينكر أولوية علي بالإمامة، وانطلق الهادي بجاروديته إلى ما هو أصرح من تكفير الاعتقاد، فلمّح إلى تكفير أبي بكر وعمر والصحابة الكرام وبعض أمهات المؤمنين في كتابه "تثبيت الإمامة"، وأكد أن اللعن أولى من الترضي على الشيخين، وجاء في الكتاب تصريح بلعن الخلفاء وذريتهم إلى يوم القيامة.

الانعطافة الحسينية الكبرى: يحيى بن حمزة وإعادة تعريف الزيدية

استمر تصاعد هذا الاتجاه المتطرف حتى انتقلت الإمامة إلى الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة (669-749هـ)، وهو أول إمام يحكم اليمن من السلالة الحسينية الممتدة إلى موسى الكاظم وجعفر الصادق ومحمد الباقر.

ومع خروج الإمامة من السلالة الرسية عبر يحيى بن حمزة شهد الفكر الزيدي انعطافة كبرى؛ فقد حاول الإمام يحيى إعادة تعريف الزيدية وربطها بجذورها الأولى المرتبطة بالإمام زيد بن علي، لا بالتراث الجارودي الذي تشكل لاحقًا.

وأراد قطع الحبل السري الذي يربط الزيدية بالهادوية المتشددة، مركّزًا على تفكيك "الأطروحة الأم" للتطرف من خلال:

• تفنيد دعوى النص الجلي: أكد يحيى بن حمزة أن نصوص إمامة علي تحتاج إلى تأمل وبحث، ويجوز الاختلاف حول دلالتها، مع اعتقاده الشخصي بقطعيتها.

• إسقاط التلازم بين الأفضلية والتكفير: قرر أن نصوص أفضلية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا توجب كفرًا ولا فسقًا ولا خروجًا لمن يفهمها بتأويل مختلف ولا توجب قطع الموالاة.

• إعادة الاعتبار للموقف الأصيل للعلويين الطالبيين: أكد أن الترحم والترضي والموالاة للشيخين أبي بكر وعمر ومن رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار هو الموقف الأصيل المحقق لأكابر أهل البيت. ونقل أقوال علي بن أبي طالب في الثناء على أبي بكر وعمر، وأقوال الحسنين وزيد بن علي وجعفر الصادق وأئمة الزيدية في الديلم وطبرستان وغيرهم، وقال إن موقفه شخصيًا هو التصريح بالترضي والترحم والموالاة، مؤكدًا : "هذا هو المختار عندنا، ونرتضيه لأنفسنا مذهباً ودللنا عليه".

تفكيك لغة "التعريض الخفي" عند "المؤيد بالله يحيى بن حمزة"

رغم تخطئة يحيى بن حمزة لمواقف "الرسي والهادي وعبد الله بن حمزة" المشهورة في رفض الترضي على من رضي الله عنهم، والاكتفاء بالتوقف عن اللعن والتكفير الصريح، حاول أن يتأول توقفهم، وينفي بعض ما نسب إليهم من مواقف تتجاوز التوقف بناءً على الظن، كقوله: "والمظنون به أنه قال كذا ولم يقل كذا".

فحين حاول نفي المقولة الشائعة عن القاسم الرسي: "من ترضى عنهم فلا تصلوا خلفه، ومن سبهم فاسألوه ما الدليل"، قال إن المظنون به أن يكون قال: "من سبهم فلا تصلوا خلفه، ومن ترضى عنهم فاسألوه ما الدليل"، وأضاف أن عدم شتم الصحابة هو "اللائق بهم" لأن ثبوت شتم هؤلاء الأئمة للصحابة يسقط عدالة الأئمة، وتعسف أيضاً في نفي جارودية الثلاثة.

وهذا التعسف في التأويل رغم أننا قد نقبله من يحيى بن حمزة في سياقه التاريخي والسياسي، إلا أن القارئ لما وراء السطور يجد في هذا التأويل المتعسف ما يشبه الذم الخفي. لاحظ مثلًا تعسفه في تأويل دفاع عبد الله بن حمزة عن الجارودية ومقولته الشهيرة: "أن الزيدية على الحقيقة هم الجارودية، ومن ليس جاروديًا ليس زيديًا"؛ حيث يقول يحيى إنه لا يعقل أن يكون غرض عبد الله بن حمزة أنه والأئمة السابقين مجرد أتباع لأبي الجارود، ويتساءل عن قيمة الإمام إذا كان تابعً لا متبوعًا ويضيف مدافعًا عن عبد الله بن حمزة: "وحاشى لفكرته الصافية وعزيمته السامية أن يكون متضخمًا برذائل التقليد للجارود وغيره". وهذا الدفاع يبدو أقرب للتعريض.

من ولاية المفضول إلى الشرعية الشعبية

ومن أهم النتائج الفكرية المترتبة على اجتهادات يحيى بن حمزة إعادة الاعتبار لمبدأ تجويز ولاية المفضول مع وجود الفاضل من خلال التفريق بين الإمامة بوصفها تصورًا مذهبيًا، والولاية السياسية بوصفها شأنًا متعلقًا بمصالح الأمة وقدرتها على اختيار من يحكمها. والتفريق بناءً على ذلك بين الخلفاء الثلاثة وبين الإمام علي.

ويمثل هذا المبدأ أحد أهم المداخل الممكنة لتطوير النظرية السياسية الزيدية من داخل بنيتها الفكرية، وربط الشرعية السياسية بالقبول الشعبي والقدرة على تحقيق المصالح العامة.

ورغم أن تأكيده على شرط المنصب في مواضع أخرى قد يبدو متعارضًا مع هذا التوجه، فإن ذلك يظل مفهومًا في سياقه التاريخي و بالنظر إلى كونه إمامأ يمارس السلطة وفق شروط سياق عصره وشروط مذهبه. وفي تقديري، يمكن البناء على هذا التطور بإضافة وتأكيد شرط القبول الطوعي إلى شرط الدعوة السلمية، بحيث تصبح إرادة الأمة هي الفيصل في منح الشرعية السياسية، دون حاجة إلى العنف أو ادعاء الحق الحصري في الحكم. وهناك اجتهادات لاحقة لأئمة من المذهب الزيدي يمكن البناء عليها أكثر من اجتهادات يحيى بن حمزة في هذا الخصوص كما سنتطرق إلى ذلك في مقال قادم بعون الله.

مواجهة ثقافة تكفير أهل التأويل وترسيخ قيم التعايش

اشتهر "المؤيد بالله" بموقفه الصارم الرافض لتكفير الصحابة والمسلمين، والمقاوم لمسالك التبرؤ التي جنح إليها متشددو الزيدية (الجارودية)، ومقتربًا خطوة واسعة نحو النظرة السنية التي توقر الصحابة والعلويين معًا. وخصص لمواجهة ثقافة التكفير الجارودية كتابه الشهير "التحقيق في التكفير والتفسيق"، وله كتابات كثيرة في رفض تكفير الهادويين للأشاعرة وجميع المتأولين.

ومما قاله في نقد انحراف الزيدية إلى مذهب الإمامية في الطعن في الصحابة وتكفيرهم:

"قلنا: هذا خطأ وضلالة؛ لأن الحكم بالكفر والفسق من غير دلالة جهالة -فنعوذ بالله من الجهالة- ولو ساروا سيرة أمير المؤمنين في حقهم لكان ذلك كافيًا في حسن البصيرة، وهو صاحب الحق، فغيره أحق وأولى بذلك، وليس علينا إلا النصيحة، وتعريف منهاج الحق وإيضاحه: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: 104]." (التحقيق، ص199).

هدم الأسوار المذهبية: الانفتاح المعرفي على تراث الأمة وسلطان الدليل

كانت الفروع والأصول الهادوية تُرى كمنظومة شبه مغلقة لا تقبل التداخل مع المدارس السنية. فجاء الإمام يحيى بن حمزة بانتمائه إلى موسى الكاظم وعلي الرضا - وهي سلالة حُسينية حظيت بتقدير واحترام هائلين عند أهل السنة والجماعة والمحدثين - واستثمر هذا المشترك، وانفتح علميًا بشكل واسع على كتب ومصنفات أهل السنة في الحديث واللغة والبلاغة وأصول الفقه، مما جعل خطابه أقل حدة وأكثر استيعابًا للمخالف.

وعُرف عن الإمام يحيى بن حمزة نزعته الاجتهادية التجديدية المتجاوزة للتقليد الأعمى للمذهب الهادوي، وظهر ذلك في أمرين:

• الاعتماد على الدليل: في مصنفاته الفقهية والأصولية الكبرى (مثل كتاب "الانتصار على علماء الأمصار" وكتاب "التحقيق في التكفير والتفسيق")، كان يورد آراء فقهاء أهل السنة كالإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة ويناقشها باحترام علمي جمّ قائم على مقارعة الحجة بالحجة، دون تسفيه أو إقصاء.

• مخالفة المشهور المذهبي: خالف المذهب الهادوي في الكثير من المسائل الفقهية؛ كقوله بالمسح على الخفين، ومشروعية صلاة التراويح، ونفي وجوب الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول معتبراً أن الواجب هو الشهادتان والصلاة على النبي، وغير ذلك من المسائل. كما عُرف عن يحيى بن حمزة دفاعه عن قاعدة التصويب في قضايا الخلاف.

الجسر الذي عبرت عليه مدرسة الاجتهاد اليمنية

تكمن أهمية مشروع يحيى بن حمزة في أنه لم يكن ناقدًا خارجيًا للزيدية، بل إمامًا زيديًا معترفًا به داخلها. ولذلك اكتسبت مراجعاته وزنًا استثنائيًا ؛ لأنها جاءت من داخل البنية المذهبية نفسها. ولم يتوقف أثره عند عصره، بل امتد إلى الإمام المهدي أحمد بن المرتضى، ثم إلى مدرسة الاجتهاد اليمنية التي ازدهرت مع ابن الوزير والمقبلي وابن الأمير الصنعاني والشوكاني. ومن خلال هذا المسار انتقلت الزيدية تدريجيًا من ضيق الانغلاق المذهبي إلى رحابة الاجتهاد والانفتاح على النص والتراث الإسلامي الأوسع.

وفي تقديري، لا يمكن فهم حركة التجديد والاجتهاد اليمنية التي ظهرت في القرون المتأخرة دون فهم الدور الذي قام به الإمام يحيى بن حمزة. فقد كان أول إمام زيدي كبير يمنح الشرعية العلمية للخروج على الموروث الهادوي حين يعارضه الدليل، ويعيد الاعتبار لموقف زيد بن علي وأهل البيت من الصحابة، ويقاوم ثقافة التكفير والتبرؤ، ويفتح أبواب التواصل مع التراث الإسلامي الأوسع.

ولهذا يمكن النظر إلى مشروعه بوصفه أهم محاولة تاريخية لإعادة تعريف الزيدية من داخلها، وتحريرها من الارتهان للجارودية الذي طبع جانبًا كبيرًا من تاريخها الفكري والسياسي، ومهّد الطريق لظهور مدرسة الاجتهاد اليمنية التي أعادت وصل اليمن بفضاء الأمة الإسلامية الأوسع.

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال