أعادت جريمة اغتيال الزميل محمد عيضة مراسل قناتي العربية والحدث إلى الأذهان مسلسل الاستهداف الذي طال عشرات الصحفيين اليمنيين خلال السنوات الماضية منذ اندلاع الحرب في اليمن. وأثار تساؤلاً ما إذا كانوا غير مشمولين بالهدنة التي تشهدها البلاد منذ أكثر من أربع سنوات.
عبوة ناسفة شديدة الانفجار استهدفت سيارته في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت (الأربعاء 24 يونيو 2026) وأودت بحياته على الفور.
لا عيضه ولا غيره من الصحفيين، الذين قضوا نحبهم غدراً وغيلةً وهم يؤدون مهمتهم في محاولة أداء رسالتهم الإعلامية، لديهم خصومة شخصية مباشرة مع أحد فهم ليسوا قادة عسكريين ولا زعماء قبليين أو سياسيين ليجد المجرمون مبرراً لاستهدافهم بعمليات القتل المباشر مع أن الاغتيالات لا تبرر على كل حال.
موجة الاستهداف المباشر التي طالت الصحفيين في اليمن خلال السنوات الماضية، وذهب ضحيتها العشرات، تعد واحدة من أعلى معدلات الاستهداف في العالم وربما كانت الأخطر قبل أن تندلع الحرب في غزة ويصبح صحفيوها هم الهدف الأول لقوات الاحتلال. وحسب تقارير المنظمات المعنية بحماية الحريات وبحرية الصحافة تحديداً فقد تدهورت بيئة العمل الصحفي في اليمن وصارت من أخطر البيئات على مستوى العالم.
وهذه الخطورة الناتجة عن تزايد حدة الصراع في اليمن بدت أمراً وارداً، لكن استمرار الخطر على الصحفيين في ظل توقف شبه تام للحرب في اليمن منذ أكثر من أربع سنوات هو ما يبعث على التساؤل عن ما الذي يدفع أطراف الصراع لاستهداف الصحفيين بشكل مباشر في الوقت الذي توقفت فيه جبهات القتال والتزامهم هدنة طويلة المدى؟
ومن خلال ملاحظة مسار الإستهداف والجهات التي تقف خلفه نصل إلى حقيقة مفادها أن أطراف القتال تفضل استخدام حياة الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام كرسائل سياسية للخصوم لتقول لهم إن لديها أذرع طويلة ونافذة قادرة على الوصول إلى أي مكان، كما أن استهداف الإعلاميين تحديداً يجعل الرسالة تصل بقوة وتكون أكثر رعباً للمجتمع الذي يراد إخضاعه وإقناعه بأن مصيرهم بيد الطرف الذي يمتلك القدرة الفائقة على اصطياد من يريد وفي أي مكان.
النقطة الثانية أن الصحفيين يسهل الوصول إليهم دون كثير من التخطيط أو التدبير فحياتهم في المتناول ويتحركون دون حراسات ودون أي احترازات أمنية.

وفي حالة مثل الزميل الصحفي محمد عيضة الذي يراسل قناتين من أهم القنوات العربية وأكثرها تأثيراً ووصولاً للمشاهد اليمني فإن الرسالة تتجاوز الأطر المحلية إلى الإقليمية وربما تتعدد الجهات المستفيدة من العملية إذا ما فتشنا عن المستفيد في طريقنا للبحث عن الفاعل.
ويبقى واحد من الدوافع أنه لا أحد سينتقم للصحفي عندما تستهدفه جهة ما، كما أن المنفذ والمدبر لن يجد نفسه أمام حالة ثأر ونقمة من طرف آخر لديه قوة ويملك القدرة على الإنتقام، وهذه ربما من أكثر النقاط التي تدفع الأطراف الإجرامية لاستهداف الصحفيين بشكل مباشر بدءً من وضعهم دروع بشرية في أماكن مستهدفة كما حدث في حالتي الصحفيين "عبدالله قابل وحسين العيزري" عام 2015 ودفعا حياتهما ثمناً لكونهما صحفيين وليس فقط لكونهما مناهضين لمليشيا الحوثي، وهي الجهة التي احتجزتهما في موقع عسكري مستهدف بالقصف من طيران التحالف في ذروة الحرب.
ومع نشر خبر اغتيال الصحفي يصل الخبر إلى أبعد مدى وبهذا يكون الفاعل قد حقق هدفه بينما فيما تفقد القضية زخمها حينما يتعلق الأمر بتتبع خيوط الجريمة والوصول إلى المنفذين أو تقديمهم للعدالة، ويقتصر الأمر على مجموعة من بيانات الإدانة والإستنكار ثم يصبح الضحية مجرد رقم يتكرر في سجلات الراصدين.
جريمة استهداف الصحفي عيضة مشابهة حد التطابق لعملية استهداف الصحفي محمود العتمي والتي راحت فيها زوجته رشا الحرازي وجنينها الذي كان على وشك الولادة، وهي الأخرى صحفية، مع اختلاف مكان التنفيذ من عدن إلى المكلا.
إلى الآن للأسف ليس هناك ملفات قانونية جاهزة بالأدلة والمتهمين تكون صالحة لتقديمها أمام المحاكم الدولية وملاحقة المتهمين، سواءً كانوا مخططين أو متعاونين أو مدبرين، قانونياً ليشعروا أنهم سيدفعون ثمن جرائمهم وأنهم لن يفلتوا من العقاب. وتجهيز هذه الملفات هي خطوة عملية يفترض أنها منوطة بنقابة الصحفيين التي لا تزال تثابر على إصدار البيانات ورصد الانتهاكات وفرز الضحايا على الطريقة الأنشطة الموسمية التي تنال استحسان المنظمات المانحة وتتوقف عند هذا المستوى وتكرر دوماً أن قدرتها لا تتجاوز هذا المستوى رغم أن هناك وسائل ومسارات عدة لمتابعة القضايا ومحاسبة المتورطين في قتل واختطاف وتعذيب الصحفيين.
وسيبقى العاملون في الإعلام هم الحلقة الأضعف والهدف المتاح لكل مرتكبي جرائم العنف ماداموا يفتقدون لجهة وآلية فاعلة تستطيع تجاوز الشجب والتنديد إلى رفع قضايا وملاحقة المجرمين وتوسيع دائرة التضامن بالتعاون مع الجهات الدولية العاملة في هذا المجال.
* (المصدر أونلاين)

علي الفقيه