من "انتفاضة خولان" إلى "نكف دهم".. الإمامة والقبيلة أمام سؤال الدولة

ثمة سؤال أقدم من تفاصيل الأزمة الراهنة يفتح الباب على مصراعيه أمام الجدل حول مطارح الكرامة في الريان وقبائل دهم: ماذا تفعل النخبة اليمنية حين تتحرك القبيلة في وجه سلطة قهرية غاشمة؟ هل تتعامل مع هذا التحرك كفرصة لكسر الخوف، أم تنصرف عنه تحت ضغط الخشية من أن يبقى مجرد غضب محلي تحكمه العصبية والارتجال؟

اليمن عرف هذا السؤال من قبل، حين اختلف الشهيد محمد محمود الزبيري والأستاذ أحمد محمد نعمان حول انتفاضة قبائل خولان في عهد الإمام أحمد.. لم يختلف الرجلان حول مقاومة الإمامة وضرورة اقتلاعها كونها دخيلة على ثقافة وقيم اليمنيين، فقد وقفا معاً ضد حكمها، وإنما اختلفا حول الطريق الموصل إلى التغيير، وحول موقع القبيلة في معركة الدولة.

الزبيري رأى في انتفاضة خولان شرارة تستحق الدعم والإسناد. قرأ التحرك القبلي بوصفه ثغرة في جدار الخوف، وفرصة لإرباك سلطة مغلقة لا تسمح بسياسة ولا تعترف بمجتمع. كان يدرك أن الشعوب لا تنتظر اكتمال الشروط حتى تقاوم، وأن الاستبداد لا يسقط دائماً بفعل منظم ومكتمل. أحياناً تبدأ حركة التغيير من غضب خداج، ومن تناقض مصالح القوى الاجتماعية، ثم تأتي السياسة لتمدها بالمبررات وعوامل الاستمرار ومعالم المسار.

أما النعمان فقد خشي أن تنتهي الانتفاضة القبلية إلى تبديل الوجوه من دون تغيير بنية سلطة الاستبداد والتخلف. رأى أن إسقاط إمام باندفاع قبلي لا يصنع يمناً جديداً إذا ظل المجتمع أسير الجهل والعرف المغلق ومراكز القوة والنفوذ التقليدية. لذلك انحاز إلى التعليم ونشر المعرفة، ورأى في بناء الإنسان طريقاً آمناً أكثر من النكف، ذلك أن المجتمع الذي لا يتغير وعيه فإنه يستطيع بسهولة أن يعيد إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة.

لا نحتاج اليوم إلى اختيار الزبيري ضد النعمان، ولا النعمان ضد الزبيري. نحتاج إلى جمع درسيهما معاً، فهما يمثلان جناحي مدرسة أصيلة في تاريخ الحركة الوطنية. يذكّرنا الزبيري بأن لحظات التصدع داخل السلطة لا تنتظر المترددين، ويذكّرنا النعمان بأن الغضب وحده لا يبني دولة من تلقاء نفسه. وهذه هي المعادلة التي تضيع غالباً في سجالاتنا اليومية إذ لا يكفي أن تنتفض القبيلة أو تتمرد، ولا يصح أن تقف النخبة متفرجة على مجتمع يواجه القهر وانسحاق شخصيته ومحاولات محو هويته اليمنية لصالح هويات عرقية سلالية وأيديولوجيات مذهبية مغلقة.

يعود هذا السؤال الآن من بوابة دهم ومطارح الكرامة. فقد أثار التحرك القبلي سجالاً مألوفاً: فريق رأى فيه فرصة يجب دعمها وتبنيها، وفريق تعامل معه بخوف وريبة، وفريق ثالث انتظر حتى تتضح مآلات الموازين، بيد أن الخطر يكمن في واقع الأمر في ذلك الميل المزمن لدى بعض النخبة إلى التنقيص من المجتمع حين يتحرك خارج قوالبها الجاهزة.

تتحدث هذه النخبة كثيراً عن الدولة، لكنها تنسى أن الدولة لا تولد من فراغ.. تحتاج الدولة إلى مجتمع يرفض الإذلال، وتحتاج إلى قوى اجتماعية تكسر الصمت، وتحتاج إلى نخبة تحوّل الاعتراض إلى مشروع وتحتاج إلى قيادة تستطيع استيعاب كل المعادلات والتناقضات لترسم مساراً محدداً لتحقيق الهدف. أما انتظار حركة كاملة مكتملة نقية ومبرأة من كل نقص وعيب، ومؤطرة منذ لحظتها الأولى بحدود متفق عليها، فهذا يعني عملياً ترك الحوثيين يبتلعون المجتمع قطعة بعد أخرى.

لقد تعامل الحوثيون مع القبيلة بوعي بطبيعتها ودورها. فهم لم يلغوها، لكنهم أخضعوا جزءاً مؤثراً منها، واشتروا جزءاً آخر، وأرهبوا الجزء المقاوم منها، وحولوا بعض وجاهاتها إلى أدوات حشد وجباية وتعبئة. لذلك فإننا نجد أي تمرد قبلي ولو جزئي على طاعة رموز السلالة يحمل معنى سياسياً مهماً، حتى لو بدأ من قضية قد تبدو للبعض أنها تافهة.. فكل سلطة تقوم على سياسة الخوف تخشى من كل كسر صغير لهذا الخوف، لأنها تعرف أن مجرد الشرارة يمكن أن توقظ الذاهلين والمحبطين في محيطها فضلا عمن هم داخل دهاليزها.

من هنا لا يجوز أن نختزل "مطارح الكرامة" في حادثة عابرة، ولا أن نحولها إلى ثورة مكتملة. قيمتها أنها كشفت هشاشة السيطرة الحوثية حين تواجه اعتراضاً اجتماعياً، وكشفت أيضاً ارتباك النخبة اليمنية في التعامل مع القبيلة؛ تخاف منها تارة، وتستغلها تارة، وتهاجمها تارة أخرى إذا لم تتحرك وفق ما تريده.

ليست القبيلة بديلاً عن الدولة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك.. لكنها في بلادنا ليست مجرد هامش خارج التاريخ. فلقد كانت حاضرة في مقاومة الإمامة، وحاضرة في حماية التحولات الكبرى، وحاضرة أيضاً في الصراعات الضيقة التي عطلت وأضعفت عملية إكمال بناء الدولة.

لذلك فإن الرشد السياسي يقتضي التزام موقف عاقل، يقوم على توازن دقيق لا يقدس القبيلة ولا ينجسها، ويسندها حين تواجه سلطة قهرية غاشمة، ويرفضها عندما تريد أن تتحول إلى بديل عن القانون والمؤسسة والمواطنة.

تكمن مشكلة الإمامة، بنسختيها القديمة والجديدة، في أنها تريد مجتمعاً خانعاً مطيعاً لا مجتمعاً نداً وشريكاً. وتنظر إلى القبيلة التي هي البنية الأساسية في مجتمعنا بوصفها ذخيرة تعبئة لا قوة بناء، وتنظر إلى المواطن بوصفه مجرد تابع ودافع؛ تابع مهمته أن يكون عسكرياً يموت ليحمي وجودها، ودافع جباية لتمويل سلطتها وتوسيع امتيازات أسرها. لذلك تخاف الإمامة من كل نكف يخرج من يدها، ومن كل صوت يقول لا.. الإمامة الحوثية هنا لا تختلف في الجوهر عن الإمامتين القاسمية والمتوكلية اللتين سبقتاها؛ كلها تريد مجتمعاً محكوماً بالرهبة والرعب والطاعة العمياء والولاء العرقي.

من هنا لم يعد السؤال: هل نؤيد نكف دهم ومطارح الكرامة في الريان أم نعارضه؟ السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نحول كل تصدع وشرخ وانقسام داخل النسخة الإمامية القائمة إلى قيمة وطنية، متجاوزة حدود القضية المحلية إلى أفق الدولة الوطنية؟ كيف نمنع الجماعة السلالية المليشياوية من عزل أي حركة اجتماعية وتشويهها؟ كيف نجعل الاعتراض المحلي القبلي المحدود جزءاً من معركة أوسع لاستعادة الدولة، لا مجرد صراع بين وجاهات أو قضية تنتهي بوساطة عابرة؟

يحتاج اليمن اليوم إلى جرأة الزبيري وبصيرة النعمان.. ويحتاج إلى من يلتقط لحظة التصدع ولا يتركها تخفت أو تموت، ويحتاج إلى من يمنحها أفقاً يمنعها من الانغلاق في العصبيات. فالقبيلة تستطيع أن تفتح باباً في جدار الخوف، لكنها لا تبني الدولة وحدها.. والنخبة تستطيع أن تصوغ الفكرة، لكنها لا تغيّر الواقع من دون قوى مجتمعية فاعلة.. وما ينقص اللحظة هو قيادة تجمع الغضب المتفرق، وتحوّله إلى مسار وطني واضح.

بين انتفاضة خولان أواخر ١٩٥٩م ونكف دهم منتصف ٢٠٢٦م لا نبحث عن تطابق في الوقائع، وإنما عن سؤال يتجدد كلما نهض المجتمع في وجه سلطة غاشمة: كيف تتحول حركة الناس من غضب عابر إلى مشروع دولة المواطن؟ أما الوقائع الطارئة، مهما علا ضجيجها، فليست سوى شواهد على هذا السؤال الكبير، ولا ينبغي أن تحلّ محله.

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال