المصدر أونلاين - خاص
لوحة كهربائية عملاقة باللون الأحمر تتصدر ميدان السبعين والنص مكتوب باللون الأصفر والأبيض يتحدث عن ذكرى عاشوراء التي قتل فيها الحسين بن علي على يد أبناء عمومته في نزاع سياسي تاريخي دأب الشيعة على توظيفه لتحريض أتباعهم على قتال خصومهم السياسيين.
"ذكرى عاشوراء.. إن الحديث عن كربلاء هو حديث عن الحق والباطل، النور والظلام، الشر والخير" هذا مضمون النص والذي يقدم الذكرى كمحفز لإحياء الصراع وبشكل غير مباشر تحمل العبارة إيحاء بأنهم هم الحق وضحاياهم الجوعى هم الباطل، هم النور وغيرهم الظلام، هم الخير والطرف المقابل لهم هو الشر".
هي واحدة من عدد من اللوحات العملاقة التي تحمل مضموناً مشابهاً وتتوزع على ميدان السبعين أكبر ميادين صنعاء وشارع الستين أكبر شوارعها الذي يمتد في محيط المدينة، ويتكرر ظهور هذه اللوحات ذات المحتوى الطائفي مع كل مناسبة في مدينة لا علاقة لها بتلك الأحداث التاريخية التي حدثت في جغرافيا بعيدة وفي الأزمان الغابرة، ويرزح سكانها تحت وطأة الجوع والفقر.
الدكتور عبدالله المحمدي اعتبر هذه التصرفات "تشكل جزءاً من خطة حوثية للسيطرة على الذاكرة الجماعية لليمنيين، وتطويعها، وإدخال مناسبات دينية وطائفية بديلة عن المناسبات الوطنية اليمنية"، وفي تغريدة نشرها على صفحته على منصة فيس بوك قال إن هذه التصرفات "تشكل خطورة على الوعي الجمعي على المدى المستقبلي".
وقال الناشط نايف النصر "حين أرى صنعاء تغرق في الشعارات والصور والمواد الدعائية والطائفية اشعر بالغربة، احتاج لأن أغمض عيني وافتحها للتأكد من ما إذا كانت هذه مديني التي ولدت وتربيت فيها".
ويمثل ميدان السبعين نسخة مصغرة للحال الذي وصلت له صنعاء حيث باتت واجهات المدينة غارقة بالشعارات الطائفية المرسومة على الجدران والشوارع و المدارس والمباني الحكومية وحتى في جدران وواجهات مدينة صنعاء القديمة.
بمجرد اقترابك من باب اليمن قاصداً المدينة القديمة ستلاحظ الشعارات على البوابة والجدران في مظهر أضاف ندبة شوهاء إلى واحدة من أقدم مدن العالم.
في ازقة المدينة وممراتها ثمة شعارات وألوان خضراء تشوه جدرانها، دون أي اعتبارات لقيمة المدينة التاريخية.
بعد أكثر من عقد على سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، أخذت المدينة التي ألفها اليمنيون تتحول تدريجياً إلى شكل طائفي واسع في مساعٍ ممنهجة من قبل الجماعة لإعادة تشكيل وعي المجتمع وفق هويتهم.
من تغيير المناهج الى تطييف الموظفين الحكوميين، وأساتذة الجامعات، وانتهاءً بتعبئة طلاب المدارس يسعى الحوثيون إلى تغيير مفاهيم ومعالم في صنعاء وعدة محافظات أخرى.
من ضمن المعالم التي سعى الحوثيون الى تغييرها ميدان السبعين الذي ارتبط في مخيلة اليمنيين كرمز للجمهورية والاحتفالات الوطنية والعروض العسكرية، وقد اطلق عليه اسم السبعين نسبة إلى حصار السبعين (1967-1968) الملحمة التي انتصر فيها الجمهوريون على قوات الإمامة.
لكن هذا الميدان الأكثر حيوية يشهد اليوم محاولة حوثية مستمرة لمحو رمزيته التاريخية واختزاله في إطار طائفي، حيث تعلق عليه اللوحات القماشية العملاقة لقتلى من قيادات وعناصر حزب الله اللبناني وقادة ايرانيين وحوثيين، وصولاً إلى استخدامه في المناسبات الطائفية التي لم يعرفها اليمنيون من قبل "مثل ذكرى عاشوراء" ويوم الولاية والغدير وغيرها.
لم يقتصر الأمر على استخدام ميدان السبعين في الدعاية فقد قام الحوثيون بدفن بعض قادتهم بالقرب من النصب التذكاري للجندي المجهول وحاولوا عبر نشطائهم على وسائل التواصل الاجتماعي وبشكل غير رسمي الترويج لإعادة تسميته ب"ميدان الصماد"، في إشارة للقيادي الحوثي صالح الصماد الذي قتل في غارة للتحالف عام 2018 لكن هذه التسميات لم تلقَ استجابة من الشارع، كما هو الحال مع جامع الصالح الذي حاول الحوثيون تغيير اسمه لـ "جامع الشعب" لكن الناس ما زالوا يطلقون عليه اسمه القديم "جامع الصالح".
ومع مرور السنوات تحولت صنعاء إلى جدارية كئيبة من الشعارات وبعد أقل من عام على سيطرتهم على المدينة اعلنت اليونسكو في 2 يوليو 2015 إدراج مدينة صنعاء، ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
وكانت اليونيسكو قد أدرجت مدينة صنعاء القديمة عام 1986 على قائمة اليونسكو للتراث العالمي لما تحتويه من معالم أثرية متنوعة بين فن العمارة والتراث الإسلامي والأسواق القديمة والتي تصنف كأقدم مدينة مأهولة بالسكان منذ 2500 سنة.
الانتقال من الشعارات الى الفيديوهات الطائفية
خلال الاعوام الماضية، ظهرت فيديوهات تداولها ناشطون يمنيون على وسائل التواصل الاجتماعي، تتضمن احتفالات طائفية جرت في ذكرى عاشوراء على طريقة طقوس التشيع العراقي، أقيمت في حسينيات بصنعاء ومحافظات اخرى وهذا امر لم تشهده اليمن طوال تاريخها.
وفي عام 2016، تم الكشف عن وجود نحو 600 طالب يمني يدرسون في إيران، 90 بالمئة منهم التحقوا بالحوزات التابعة للمرجعيات الشيعية والتي تدرس الفكر الاثني عشري.
ولاحقاً قام الحوثيون أيضا، بإنتاج أغاني وأناشيد طائفية من التراث الاثني عشري، صورت في العاصمة صنعاء، ونقلتها قنواتهم وهي تعكس بشكل جلي حجم التطييف الجديد وعدم الاكتراث لحساسية المجتمع تجاه هذه الافكار الدخيلة.
قد لا تلقى هذه الشعارات استجابة أكثر مما تلقى من المقت والسخرية المجتمعية إلا أن المخاوف تظل قائمة من تأثيرها على الوعي المجتمعي خاصة في ظل استهداف الجماعة للنشء والأطفال بالتعبئة الطائفية من خلال الأنشطة المدرسية والدورات الثقافية، كما أنه يعمق الانقسام المجتمعي ويحاول إخضاع صنعاء المدينة التي كانت تحتضن كل اليمنيين، لمشروع أيديولوجي طائفي.




