حكاية ابن فدغم ومآلاتها المتوقّعة

بوسع المتابع لمسار الأحداث في محافظة الجوف منذ سنة 2020م؛ أن يلخّص الموقف هنالك بالقول: توقفت المعارك العسكرية في المحافظة بصورة عامة، منذ ذلك التاريخ، عقب تمكّن الحوثي من السيطرة على مدينة الحزم، عاصمة المحافظة ومناطق أخرى استراتيجية، في مطلع مارس/آذار 2020م إلا من مناوشات محدودة، تبرز بين حين وآخر، وقد تشتد أحياناً، غير أنها لم تغيّر من مواقع الخارطة العسكرية شيئاً يُذكر حتى الآن، لكن الحوثيين بإقدامهم في 19/ 4/ 2026م على اختطاف الشيخ حمد بن راشد فدغم الحزمي، رئيس الملتقى الوطني لأبناء قبائل دهم، من منزله، في مديرية خب والشعب، شمال شرق محافظة الجوف، رغم كونه أحد أبرز رجالاتهم ورموزهم القبلية في قبيلة دهم، ومحافظة الجوف على نحو أعمّ؛ بذريعة قيامه بأعمال تقطّع، والتحريض على إثارة الفتنة، وتهديد الأمن؛ قد جرّ إلى تداعيات قبلية، واحتشادات بعض قبائل دهم، التي ينتمي إليها الحزمي، معلنة النكف والنفير، أي إعلان موقف عام للمواجهة المسلّحة مع الطرف المعتدي لردّ عدوانه، فدعت إلى الاحتشاد في منطقة "اليتمة" للمطالبة بالإفراج عن الشيخ الحزمي، دون شروط ابتداء.

رغم التحشيد ووصول وفود قبلية، إلى مطارح دهم باليتمة، إلا أن وساطات قبلية، قيل إنها تعزى إلى جهود بذلها الشيخ ناجي عبد العزيز الشايف، شيخ مشائخ بكيل، للقيام بإقناع الحوثيين بإطلاق سراح فدغم، وقيل إن الحوثيين أدركوا أن الوضع يتجّه إلى تصعيد في غير صالحهم، فأوعزوا إلى الشايف للقيام بذلك الدور، فتم الالتزام بتلك المهمة المسندة إليه من قِبَل الحوثيين، وأطلق سراح ابن فدغم فعلياً في 26/ 4/ 2026م، على أن يتم رفع "مطارح" قبائل دهم وبكيل في منطقة اليتمة، مقابل إطلاق سراح الحزمي، وبذلك ذهب ما كان يعوّل عليه البعض من كون ما يجري بين ابن فدغم والحوثيين فرصة للتنسيق مع الشرعية، وإعادة تنظيم الصفوف لخوض معركة استعادة المحافظة من الحوثيين، وتأكّد أن ذلك ضرب من الوهم، بالنظر إلى أن الخلاف لايزال داخلياً بين ابن فدغم وجماعته، ولم يصدر عن ابن فدغم أو قبيلته ما يخالف تلك الحقيقة، غير أن الأمر لم يقف عند ذلك الحدّ بين ابن فدغم والحوثيين، من حيث التوتر، بل عاد إلى التأزّم من جديد ، بعيد قدوم امرأة في 7/ 5/ 2026م، تسمي نفسها "ميرا صدام حسين المجيد"(ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين)، على الشيخ حمد بن فدغم إلى منزله في اليتمة بالجوف، مستجيرة به، لإنصافها ممن أخذ بيتها وممتلكاتها، في حيّ حدّة بالعاصمة صنعاء، وهو القيادي الحوثي فارس منّاع (محافظ سابق لصعدة، من قبل الحوثيين، وتاجر سلاح شهير)، وقامت إلى جانب ذلك بقص ضفيرة من شعر رأسها، وسلّمتها لابن فدغم في مجلسه وأمام رجاله، كتعبير قبلي عن مدى الأذى الذي لحق بها، وضرورة حمايتها، من قبل القبيلة، التي استغاثت بها، فعبّر فدغم عن تلبية استجارتها، بحماسة مفرطة، فقام بعد ذلك بالتحرّك المباشر مع ميرا إلى صنعاء، وقال إنه ذهب إلى جوار البيت الذي تحدثت عنه ميرا، وسأل الجيران عن من يسكن البيت، فأفادوا أنهم يشهدون أن ميرا تسكنه منذ سنوات.

وفي حين بدأ فدغم في التوجّه قافلاً إلى محافظة الجوف، ومعه (ميرا)، تمّ القبض عليه، بداية خروجه من صنعاء، في أول نقطة خارجها، تسمّى نقطة الحتارش، وذلك في 12/ 5/ 2026م، واستمر في السجن 50 يوماً، إلى جانب (ميرا)، لكنه تمكّن من الخروج من السجن، بعد وساطات قبلية، وبيان أصدره في 4/ 1/ 1448هـ الموافق 19/ 6/ 2026م، وصف فيه عبد الملك الحوثي بـ"السيد العَلَم القائد حفظه الله، كما أظهر فيه اعترافه بأنه موافق على التقارير الأمنية الحوثية التي خلصت إلى أن تلك المرأة التي يدافع عنها ليست ابنة صدّام حسين، بل هي كاذبة منتحلة لشخصية غيرها "([1]) ، لكنه اعترف لاحقاً بأنه إنما قال ذلك "تقيّة"، بهدف التخلص من السجن، والتمكن من مغادرته([2])، في حين لم يُسمح لميرا بالخروج، فتوجّه مباشرة إلى مناطق الشرعية، وتحديداً منطقة الريان (صحراء الريان) الواقعة في مديرية خَبْ والشَّعْف، شرقي محافظة الجوف، مستجيراً بالقبائل، وكسر جفر عسيبه (محل جنبيته أو خنجره) أمامهم، في تعبير عُرفي عن مدى الظلم الذي أصابه، وطلبه النجدة من القبيلة، مناشدا قبيلته خاصة، وقبائل اليمن عامة نصرته، وذلك في اجتماع عام في الهواء الطلق، صارخاً بأنه تعرّض في المنزل الذي سجن فيه، في صنعاء، للتهديد والإهانة المباشرة، من قبل "أبو علي الحاكم"، رئيس هيئة الاستخبارات والاستطلاع وقائد قوات الحرس الجمهوري التابع لجماعة الحوثيين، وعلي حسين بدر الدّين الحوثي (نجل حسين الحوثي)، رئيس استخبارات الشرطة (أمن الشرطة ومكافحة الإرهاب) ،والقيادي الحوثي فارس منّاع، للاعتراف والتبصيم، على جرائم نُسبت إليه، لكنه رفض ذلك، رغم التهديد والوعيد. وفي أثناء حديثه عن ما أصابه من إهانة وتهديد انفجر بالبكاء، أمام الجميع! ، مطالباً البدء بالتقطع لقبيلة سحار، التي ينتسب إليها فارس منّاع"([3])، مع أنه اعتذر لاحقاً كذلك للتحالف العربي والشرعية، وقال إنه ليس بوارد تقطّع لسحار ولا لغيرها، وأنه ملتزم بالنظام والقانون"([4])، لتشهد تلك المنطقة (مطَارح الريان)، عقب ذلك تجمعاً وإسناداً قبلياً واسعاً من قبائل دهم وبني نوف وقبائل يمنية أخرى، متضامنة مع ابن فدغم، وراح الرجل يدلي بتصريحات إعلامية لوحظ فيها التعارض والتناقض، فأولاً بدأ يدعو إلى التقطّع لأهل سحار في صعدة، ومهاجمتهم، بوصف فارس مناع منتسباً إليهم، ثمّ ما لبث أن نفي ذلك، حين وُجّه إليه اللوم من شخصيات قبلية وسياسية وحقوقية وإعلامية، بوصف خصمه شخصاً، ولا علاقة لقبيلته به، خاصة أن لسحار مواقف مشهودة في مناصرة الدولة، قبل سيطرة الحوثيين عليها، ثمّ تراه يردّد بأنه أصبح ضدّ الحوثيين، ولا يلبث أن يتحدث بعكس ذلك، كأن يقول إنه ليس مع الحوثيين ولا ضدّهم، وأن قضيته محصورة، في إطلاق سراح ميرا صدام حسين وإنصافها، مشيداً بها وبأبيها وقومها، وأحياناً يردّد أنه يطالب بالقضاء على الحوثيين، ولكن لا يكاد يخرج عن ذكر قيادة التحالف (ألسعودية) وحدها، بحيث لا يكاد يرد ذكر الشرعية في حديثه- مقابل ذلك.

أمّا فارس منّاع؛ فقد لزم الصمت تماماً، على مدى الأزمة، أي منذ اندلاعها وخروجها إلى الإعلام، خاصة منذ قدمت ميرا وسلّمت حمد بن فدغم ضفيرة من شعره رأسها افي 7/ 5/ 2026م، لكنه أخيراً ظهر في مقطع فيديو، تم بثه  في 30/ 6/ 2026م، أي بعد بلوغ تلك التطورات ذروتها، أنه استأجر ذلك البيت في 2017م من اللواء علي صالح الأحمر (أحد أقارب الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وأحد كبار القادة العسكريين أثناء دولته)، ولكن قيام الحوثيين بما وصفوه بإجراءات الحارس القضائي، أو ما يصفونه بمصادرة ممتلكات الخونة – يقصدون خصومهم السياسيين والفكريين- عقب المواجهات التي تمّت بين الحوثيين ورجال صالح في 2/ 12/ 2017م، وتسببت في مقتل صالح وعارف الزوكا، أمين عام المؤتمر الشعبي العام وآخرين، في 4/ 12/ 2017م؛ دفعتهم للسيطرة على المنزل، بوصفه أحد ممتلكات من يصفونهم " الخونة"، لكنه – وفق منّاع- سُمِح له بالعودة للسكن فيه، من قِبل الحوثيين، مؤكّداً أن كل ما ذكره فدغم عن تعرّضه للتهديد على يديه أثناء احتجازه، مع الحاكم، وعلي حسين الحوثي؛ لا أساس له، إذ لم يلتق فدغم مطلقاً، ولم ير شخصه، إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي"([5]).

مآلات متوقّعة

ثمّة تكهنات كثيرة وغموض متزايد يكتنف المسار الذي يمضي فيه ابن فدغم، والهدف النهائي الذي يسعى إلى تحقيقه، إذا كان كل هدفه بات محصوراً- كما يؤكّد باستمرار- في إطلاق سراح ميرا صدّام حسين، أي أنّه أضحى من المؤكّد، وفقاً لأحاديث ابن فدغم المتكاثرة، وخاصة في ردّه المباشر على تسجيل فارس منّاع المشار إليه آنفاً، الذي أكّد فيه بالحرف الواحد، بأن كل شيء سيتوقف، إذا ما أنصف فارس منّاع؛ ميرا صدّام حسين، وأعاد إليها ما وصفه ببيتها وممتلكاتها، وسيجد ما يرضيه بعد ذلك من قبل ابن فدغم"([6])، أي أنه سينتهي كل شيء، وستتوقف مشكلته مع الحوثيين، عند ذلك الحدّ، في حال قبل فارس منّاع، بإنصافها، أو أعلن الحوثيون ذلك ، بما يعني خروج ميرا من السجن، واستعادة ممتلكاتها المدّعاة – مثلاً- وبذلك يذهب الرهان على الرجل أدراج الرياح، وهو الذي طالما علّق عليه كثيرون الأمل، في إمكان جمع كلمة القبائل، لخوض معركة التحرير"المتوهمة" بنظر بعض المراقبين- أمّا إذا افترضنا صدقية عند الرجل، وعدم حصر الموضوع كله في شخص ميرا وحقوقها - وهو ما لا تسنده أيّ من الشواهد القائمة- فإن ذلك لا يخلو من مخاطرة جسيمة، في حال اندفعت القبائل في ظل غياب أيّ ّحضور للشرعية والجيش الوطني، إلى التورّط في مغامرة غير محسوبة العواقب، إذا ما بلغ الأمر مستوى المواجهة المسلّحة الفعلية ضّد الحوثي، في ظل اختلال ميزان القوى بين الطرفين، وهو ما يعني احتمال ارتكاب الحوثي مجزرة جديدة، تضاف إلى سجله الإجرامي الشهير، كما وقع مطلع يناير/كانون الثاني 2019م، تجاه قبائل حجور في مديرية كشر، بمحافظة حجّة، وقبائل آل عواض، في منطقة الشعف بمدبرية ردمان، في محافظة البيضاء، في منتصف يونيو/ حزيران 2020م، ثمّ قبائل قرية "حنكة آل مسعود"، التابعة لمديرية القريشية في محافظة البيضاء كذلك، وذلك في يناير/كانون الثاني 2025م، هذا عدا ما يعنيه فداحة تسليم قيادة معركة إلى شيخ أو مشائخ قبليين. والأصل في معارك تهدف إلى تحرير الوطن، وإقامة دولة العدالة والقانون، أن تقودها الدولة وجيشها الوطني في الأساس، ولا بأس أن تستعين بمن شاءت بعد ذلك، على أن تبقى القيادة للدولة والجيش وحدهما، لا مشائخ ومجاميع قبلية مسلّحة، حتى لو سلّمنا بكفاءتها، وترجيح غلبتها، فإن تداعيات ذلك ستكون كارثية، على استقرار البلاد، وسلطة الدولة، حيث سيزعم أولئك المشائخ ورجالهم القبليون، في حال نجاحهم، في تحقيق نصر أو مكاسب مفترضة، أنه لولا هم ؛ ما تحقق نصر، أو اندحر حوثي، فنعود للاحتراب الداخلي مجدّداً، بعد أن صارت تلك المجاميع ترى نفسها أقوى من الدولة، بل صاحبة الفضل عليها!

وإذ قد مرّت المهلة التي حدّدها ابن فدغم بـ48 ساعة، في 1/ 7/ 2026م دون أيّ جديد من قبل الحوثيين، كما أعلن ابن فدغم نفسه، في 3/ 1/ 2026م، مقرّاً أن ما وصفها بـ"الوساطة اليمنية والعُمانية ووساطة المشائخ" لم تفلح في الوصول إلى شيء؛ فلم يجد ما يسوّغ به الموقف، سوى قوله: إن القبائل لاتزال تتوافد في طريقها إلى المطارح، والأغرب أنه قال هذه المرّة إن وقت انتهاء المهلة " مجهول"، وليس معلوماً"، نظراً لاستمرار توافد القبائل([7])، أي لم يعد 48 ساعة أو 72 ، أياماً محدّدة – مثلاً- . ومع استمرار ابن فدغم في التحشيد من جهته، والحوثي ماضٍ في طريق التجاهل والإنكار، لنسبة ميرا إلى صدّام حسين؛ وربما التبييت لأمر ما من جهته؛ فإن كل الاحتمالات تبقى قائمة، على أن الحقيقة التي يمكن أن تظل صادمة، وربما تستدعي التحوّط من الانجرار العاطفي وراء شعارات ابن فدغم؛ أن استبساله اللافت تجاه مظلمة ميرا صدّام حسين وممتلكاتها- على فرض التسليم بروايته، وهي الأرجح حتى الآن من هذه الزاوية- يعني – بالمقابل- يتجاهل حالات مئات وربما ألوف الحرائر اليمنيات الشريفات المظلومات، القابعات في أوضاع مأساوية في سجون الحوثي، وملايين المظلومين اليمنيين الذين انتهك الحوثي كرامتهم وسلب حقوقهم، وشرّدهم من بلادهم، دون أن يحرّك ذلك ساكناً، في ضمير الشيخ ابن فدغم، بل اختزل المأساة كلها في شخصية "ميرا"، ولذلك فإن من الوارد – بل قد يكون الأرجح وفق الشواهد القائمة- أنه سيعود إلى حضن الحوثي مجدّداً، في حال أنصف الأخير "ميرا"، بوصفها لديه المظلومة الوحيدة في بلاد اليمن، إذ هي قد استجارت به، وقصّت ضفيرة من شعر رأسها، وسلّمته لإنصافها، علاوة على كونها بنت رئيس دولة سابق، وعزيزة قوم ذلّت!!! أما اليمنيات- ناهيك عن اليمنيين- فلا بواكي لهنّ!

* (المصدر أونلاين)


-----------------------------------------------------

(1) حمد بن فدغم الحزمي، مقطع فيديو https://www.youtube.com/shorts... ، كلمة فدغم بعد خروجه من السجن، 19/6/2026م (شوهد في 28/6/2026م).

(2) حمد بن فدغم الحزمي، مقطع (فيديو) على صفحة الانستجرام https://www.instagram.com/reel/DZ9pHr0Rc5E/، كلمته في اللقاء القبلي أمام قبيلة دهم في منطقة الريّان، 24/6/2026م (شوهد في 28/6/2026م).

(3) حمد بن فدغم الحزمي، مقطع فيديو، على صفحة الانستجرام ، كلمته في اللقاء القبلي أمام قبيلة دهم في منطقة الريّان،24/6/2026م ، المرجع السابق.

(4) حمد بن فدغم الحزمي، مقطع فيديو https://www.youtube.com/shorts/orvmSK4DXE0، الشيخ حمد بن فدغم الحزمي يوجّه رسالة لرئيس مجلس القيادة الرئيس العليمي والتحالف، 25/6/2026م (شوهد في 28/6/2026م).

(5) فارس منّاع، تصريح على صفحة الفيسبوك (مقطع فيديو) بشأن البيت المتنازع عليه بينه وبين "ميرا صدام حسين " وهو على الرابط https://2u.pw/GQYcEn،30/6/2026م (شوهد في 30/6/2026م).

(6) حمد بن فدغم الحزمي (مقطع فيديو) وهو على الرابطhttps://2u.pw/dAgqcy ، حمد بن فدغم يرد على فارس منّاع، موقع يمن نيوز ،30/6/2026م (شوهد في 30/6/2026م).

(7) حمد بن فدغم الحزمي على صفحة الانستجرام ( مقطع فيديو) https://www.instagram.com/reel/DaV88pkAObX/، ابن فدغم يعلن عن فشل الوساطة ويعلن ساعة الفر، 3/7/2026م(شوهد في 4/7/2026م)..


شارك الخبر


طباعةإرسال