أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (الأخيرة).. قراءة في مضمون الخطاب واشتباك المحاضر مع الأساتذة أثناء عرض اعترافات زملائهم المعتقلين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (الأخيرة).. قراءة في مضمون الخطاب واشتباك المحاضر مع الأساتذة أثناء عرض اعترافات زملائهم المعتقلين

المصدر أونلاين - خاص

في هذه الحلقة يختتم الأستاذ الجامعي ما احتفظت به ذاكرته من تفاصيل دورة تعبئة حوثية أحضر إليها مع كوكبة من زملائه أساتذة الجامعات ويركز في هذه الحلقة على تقديم قراءة لمضمون الخطاب وكيف يحاول الحوثيون استدراج المشاركين لترديد قسم الولاء للحوثي.

هذه الدورة التي شارك فيها الأستاذ الجامعي، الذي طلب عدم ذكر اسمه منعاً لما يمكن أن يتعرض له أقاربه من أذى، ويستذكر في هذه المساحة كيف حاول المحاضر الحوثي إهانة أساتذة الجامعة المشاركين من خلال استعراض ما يسمونها "اعترافات العملاء" وكان الاعترافات هذه المرة لمجموعة من زملائهم أساتذة الجامعات المعتقلين لدى الحوثي وأبرزهم البروفيسور محمد حاتم المخلافي وكيف اشتبك معه أحد الأساتذة بسبب هذا الموقف.

الأجزاء السابقة:

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (1).. حاملو الدكتوراة مجبرون على سماع ومناقشة هذيان حسين وعبدالملك

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (2).. الهروب إلي حمامات المسجد وسيلة الدكاترة للتخلص من الضجر وعجرفة المشرف

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (4).. للمشاركين فرحتان: استعادة هواتفهم والسفر إلى صعدة في حافلات خالية من المشرفين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (4).. للمشاركين فرحتان: استعادة هواتفهم والسفر إلى صعدة في حافلات خالية من المشرفين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (5).. بين الجرف والضريح بصمات جواس أكثر حضوراً من "كرامات" حسين

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (6).. مقابر صعدة الفخمة مزار للمشاركين والقبور تتفاوت حسب المقامات

أستاذ جامعي يتذكر تفاصيل ثمانية أيام في دورة حوثية (7).. في "مطرة" معمل تصنيع المفخخات ومهد الانطلاقة الثانية للجماعة بعد مقتل المؤسس

قراءة في قَسَمَ الولاء للحوثي

خلال فترة الدورة لم يطلب المشرفون من المشاركين أداء قسم الولاء لعبدالملك الحوثي بصورة مباشرة، واكتفوا بترديد الصرخة، لكن الأمر كان مختلفًا أثناء زيارة قبر حسين الحوثي, فقد بدا واضحًا أنهم تجنبوا مطالبة الحاضرين بترديد قسم الولاء بصورة صريحة، ربما لإدراكهم أن كثيرًا من المشاركين قد يرفضون، لذلك فقد لجأوا إلى قدر من الفذلكة ومحاولة استغفال المشاركين تمثل في تلاوة دعاء طويل يمهد للقسم ويقود إليه بصورة غير مباشرة.

فعندما وقف المشاركون أمام القبر بدأ أحدهم بتلاوة دعاء مطول، ثم انتقل مباشرة ومن دون أي فاصل إلى ترديد القسم، وفي أثناء الترديد اتخذوا وضعية معينة تشبه إلى حد ما وضعية الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر، وتتمثل في رفع الذراع اليمنى إلى مستوى الوجه مع بسط الكف واستقامة الأصابع, وقد أصبحت وضعية أداء قسم الولاء للحوثيين لمن يتابع فعاليتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة معروفة ومشهورة، ولم يعد هذا الأمر خافيًا على أحد، فوسائل إعلام الحوثيين تنشر باستمرار مقاطع مصورة من مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرتهم يظهر فيها أتباعهم وهم يرددون هذا القسم، كما أن ترديده أصبح حاضرًا في المدارس والجامعات والكليات العسكرية وفقاً لتعميم صادر من سلطاتهم، وقد كانت صيغة القسم على النحو الآتي:

"اللهم إنا نتولاك ونتولى رسولك ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليته سيدي ومولاي عبدالملك بدر الدين الحوثي، اللهم إنا نبرأ من عدوك وعدو نبيك وعدو الإمام علي، وعدو من أمرتنا بتوليه سيدي ومولاي عبدالملك الحوثي".

وعند تفكيك مضامين هذا القسم الذي أصبح يردد في المدارس والكليات العسكرية بديلًا عن الشعار الوطني الذي تربينا عليه في المدارس والجامعات(الله، الوطن، الثورة)، أجد أن خطورته لا تكمن في ألفاظه فحسب، بل في المضامين التي يحملها والرسائل التي يسعى إلى ترسيخها.

يبدأ هذا القسم الغريب في شكله ومضمونه بإلغاء المفاهيم الوطنية التي تشكل هوية الدولة (الإسلام، الوطن، الجمهورية، الثورة)، ويستبدلها بالولاء لشخص الكاهن الحوثي، فالوطن لا يظهر في نص القسم، كما تغيب الجمهورية والثورة وكل القيم الوطنية الجامعة، ليحل محلها الولاء للجماعة الحوثية وقائدها، فمفهوم الوطن لدى الحوثيين لا يحتل المكانة التي ينبغي أن يحتلها، بل يتم التعامل معه باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف الجماعة ومصالحها، فسلوك الحوثيين مع الشعب اليمني الذي هو ركيزة الوطن ومحورها منذ الانقلاب المشؤوم يدرك يقيناً أنهم عبارة عن محتلين وأغيار وليس من أبناء هذا الوطن، فالوطني مهما بلغ بطشه لا يمكن مقارنته بما صنعه الحوثي باليمن، حتى إني أرفض استخدام مصطلح الحوثي وشعبه أو الشعب وسلطة الحوثي، فالشعب اليمني ليس بشعب الحوثي ولا يعترف بسلطته وأيدولوجيته التي ترى أنه سيد والشعب عبيد أو عكفة تبعه.

فالقسم الحوثي يتجاوز الدستور والقانون باعتبارهما المرجعية المنظمة لشؤون الدولة والمجتمع، ويستبدلهما بمفاهيم وشعارات طائفية خاصة بالخرافة السلالية، وهو ما يمثل مساسًا بأسس الدولة الحديثة ومؤسساتها.

ومن الجوانب التي استوقفتنا أيضًا أن صيغة القسم تحمل طابعًا مذهبيًا وطائفيًا واضحًا، وهو أمر نخشى أن تكون له آثار سلبية على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية في المستقبل، فمثل هذه الصياغات لا تعزز الانتماء الوطني الجامع، بل تدفع باتجاه الاصطفافات المذهبية والفكرية الضيقة التي تعد من أبرز وسائل هذه السلالة في تمزيق المجتمع اليمني عبر التاريخ.

أما من الناحية الدينية فالقسم يعيد إحياء خلافات تاريخية ومذهبية مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرناً، من خلال النص على موالاة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضمن صيغة القسم. إن إدراج هذه الصيغة يثير حساسيات طائفية ومذهبية مرتبطة بتاريخ المسلمين، ويعيد طرح قضايا خلافية تجاوزها الواقع المعاصر.

كما يجدر بنا التساؤل عن العلاقة بين هذه الصيغة وواقع الناس اليوم، وعن المبررات التي تدعو إلى إدراج شخصية تاريخية في (قَسَمَ) ذي طابع سياسي وتنظيمي معاصر، خاصة في ظل غياب ممارسات مماثلة لدى أغلبية المسلمين واليمنيين تجاه شخصيات تاريخية أخرى، حيث تبقى القداسة الدينية وفق الفهم السائد مقصورة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن أكثر النقاط إثارة للجدل في هذا (القَسَم) ما ورد فيه: (ونتولى من أمرتنا بتوليته سيدي ومولاي عبدالملك بدر الدين الحوثي)، فهذه العبارة من القسم توحي بأن ولاية عبدالملك الحوثي تستند إلى أمر إلهي، وهو أمر يفتقر إلى المنطق والحصافة، ولذلك أتساءل: متى أمر الله الناس بتولي عبدالملك الحوثي؟ وفي أي نص قرآني أو نبوي ورد ذلك؟ إن طرح مثل هذا الادعاء يمثل في نظر العقلاء تجاوزًا كبيرًا وكذباً ومحاولة لإضفاء مشروعية دينية على أمر سياسي لا يستند إلى دليل شرعي أو عقلي واضح، حتى إن ألفاظ القسم ومدلولاته صِيغَت بحيث تتوافق مع سرديتهم التاريخية المتعلقة بالولاية.

ومن خلال فهم مضمون القسم فإن النتيجة المنطقية لهذا التصور هي اعتبار ولاية الحوثي وتوليه أمرًا إلهيًا، وبالتالي النظر إلى معارضته باعتبارها مخالفة لله، وهو ما قد يفتح الباب أمام تكفير المخالفين أو استباحة دمائهم وحقوقهم، وهو ما يحصل بالفعل، فما شاهده اليمنيون من ممارسات عملية للميليشيات الحوثية في التكفير واستباحة الدماء والحقوق في كثير من المحطات والصراعات التي خاضتها مع خصومها وإلى الآن، بدءً من حروب صعدة وما سبقها من مواقف تجاه خصومها بما فيهم أهالي صعدة الذين خالفوهم، فقد رفعوا شعار من لم يكن معنا فهو ضدنا، وعلى هذا الأساس تم قتل وتشريد ونهب مخالفيهم من القبائل من أبناء صعدة.

كما يُفهم من القسم أن أعداء الحوثي يجب أن يتحولوا تلقائياً إلى أعداء لأتباعها، الأمر الذي يجعل الولاء والعداء مرتبطين بموقف الجماعة الحوثية وقيادتها أكثر من ارتباطهما بالمصلحة الوطنية أو بالقانون.

القسم بمجمله يمثل اعتداءً صارخاً على المبادئ والقيم الإسلامية والوطنية وعلى رأسها الجمهورية والثورة، ويعزز النزعات الطائفية والمذهبية، ويشجع على إقصاء الآخر، كما يتجاوز الدستور والقانون ويكرس الطبقية وفكرة أحقية أسرة أو سلالة معينة بالحكم والاصطفاء على بقية المواطنين.

وخلاصة هذا الطرح أن جماعة الحوثي تمضي تدريجياً في إعادة تشكيل مفاهيم الدين والدولة والوطن بما يخدم مشروعها الفكري والسياسي، وتسعى إلى ترسيخ هذه المفاهيم داخل المجتمع مستفيدة من أدوات السلطة والقوة التي تمتلكها، الأمر الذي يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل الهوية الوطنية ومبادئ الدولة الجمهورية.

الحوثي يفصح عن خططه الثقافية والتعليمية

من بين الزيارات التي أعدها المشرفون خلال الدورة، كانت هناك زيارة لشخص يدعى عبدالسلام المميز، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره، يرتدي بدلة على الطراز الإيراني من دون كرفته، وقد لفت انتباهي أنه كان أول شخص من الحوثيين أراه في مثل هذه الأنشطة والزيارات يرتدي بدلة رسمية ويحمل حاسوباً محمولاً، وقد قدم محاضرته عبر عرض "باوربوينت"، وكان عنوانها "الحرب الناعمة".، وغالباً ما يقدم الحوثيون مثل هذه المحاضرات بهذا العنوان (الحرب الناعمة) للطلبة في المدارس والجامعات والتي تقوم فلسفتها غالباً على نظرية المؤامرة، وقد دأبوا على مثل هذه الفعاليات تأسياً بحزب الله في لبنان، والمتابع لخطابات الهالك حسن نصر الله وبعض قيادات الحزب يسمع كثيراً بمثل هذا المصطلح (الحرب الناعمة)، والمغزى من هذا كله الظهور أمام المجتمع بأنهم في مهمة مقدسة في الكشف والتصدي للحرب الناعمة التي تشنها أمريكا وإسرائيل.

وقد تضمنت محاضرة الحوثي عبدالسلام المميز عرضاً لعدد من الصور والنماذج التي اعتبرها المتحدث أمثلة على ما وصفه بالحرب الناعمة، وقد اعتمد الجزء الأكبر من حديثه على استثارة عاطفة المتلقي وإقناعه بأهمية الدور الذي يقومون به في مواجهة هذه الحرب المزعومة، كما اختار أمثلة لبعض تصرفات المنظمات وممارسات بعض الجهات التي يتفق الجميع أصلاً على رفضها وإنكارها، وبصورة عامة كان يمتلك قدرة مقبولة على الإلقاء والتحدث.

بعد انتهاء الدورة، بحثت عن هذا الشخص فوجدت أنه يعمل ضمن المكتب الثقافي والتعليمي التابع للحوثيين، كما أن بعض تصريحاته العلنية أكدت طبيعة موقعه ودوره في هذا المجال.

غير أن الأهم من شخصه كان ما كشف عنه من معلومات، فقد تحدث صراحة عن امتلاك الحوثيين خططاً يجري تنفيذها في المجالين الثقافي والتعليمي، موضحاً أن معظم هذه الخطط تركز على ما سماه "التربية الإيمانية للنشء". وخلال حديثه عن هذه النقطة أشار إلى أنهم كانوا يضعون اللمسات الأخيرة لإطلاق قناة فضائية خاصة بالأطفال، وكان ذلك التصريح في أواخر عام 2024، وبالفعل تحولت تلك الخطة لاحقاً إلى واقع مع إطلاق القناة، التي بدأت في بث مضامين تعمل على ترسيخ مفاهيم طائفية ومذهبية في أوساط الأطفال والناشئة، بما يتعارض مع القيم الإسلامية والوطنية التي عرفها المجتمع اليمني.

وفي السياق ذاته، تحدث أيضاً عن وجود خطة لتوحيد المقررات الدراسية في الجامعات، وهو ما تم تطبيقه بالفعل في وقت لاحق. وعند هذه النقطة فُتح باب النقاش مع الحاضرين باعتبارهم من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وقد أجمع عدد من الدكاترة على أن من واجب الدولة وضع الأطر العامة والرقابة على العملية التعليمية، وليس فرض مقررات محددة على الجامعات، لأن ذلك يتعارض مع قانون الجامعات واستقلالها الأكاديمي.

إلا أن المتحدث رفض هذا الطرح، ورد بانفعال واضح قائلاً إن الظروف التي تمر بها البلاد وما وصفه بالحرب الناعمة تفرض على الحكومة التدخل المباشر في وضع المقررات وعدم ترك الأمر للجامعات، وهنا اعترض أحد الدكاترة موضحاً أن بإمكان الدولة وضع توصيفات عامة للمقررات تلتزم بها الجامعات، مع ترك حرية اختيار المراجع والكتب المناسبة لكل جامعة.

لكن حتى هذا المقترح لم يلق قبولاً لدى المتحدث الذي رد بسخرية قائلاً إنهم يعرفون أساتذة الجامعات جيداً، وإن الأستاذ إذا أُعطي توصيفاً للمقرر فإنه سيختار الكتاب الذي يريده بالطريقة التي تناسبه، مضيفاً أنهم تنبهوا إلى هذه "الحيلة" بحسب تعبيره، وكان يعنى كلامه واضحاً، وهو أنهم يسعون إلى وضع المقرر ومفرداته ومحتواه بالكامل، بحيث يقتصر دور الأستاذ على تقديمه للطلاب والإلتزام الحرفي بما ورد فيه دون زيادة أو نقصان.

وقد أدركت أن ما طرحه عبدالسلام المميز خلال الدورة لم يكن مجرد اجتهاد شخصي أو رأي عابر، بل كان يعكس توجهاً حوثياً عاماً في التعامل مع التعليم الجامعي وإعادة تشكيله بما يخدم أهداف الجماعة، وقد تأكد لي ذلك من خلال ما جرى في لقاء جمع وكيل وزارة التعليم العالي في حكومة الحوثيين عبدالله الشامي، بمدرسي مقررات "الثقافة الوطنية" و"الصراع العربي الإسرائيلي" و"الثقافة الإسلامية"، وهم المدرسون الذين جرى اختيار معظمهم وفق معايير حوثية، وكان أغلبهم من خارج إطار أعضاء هيئة التدريس المعتمدين في الجامعات.

وقد حضر ذلك اللقاء عدد من رؤساء الجامعات الحكومية والخاصة، وخلال النقاش طرح أحد رؤساء الجامعات الخاصة مقترحاً بدا منطقياً من الناحية الأكاديمية، مفاده أن الوزارة قد أعدت توصيف المقررين وحددت مفرداتهما ومحتواهما العلمي، وبالتالي يمكن إسناد تدريسهما إلى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات باعتبارهم مؤهلين أكاديمياً ويمتلكون الخبرة اللازمة، فضلاً عن أن ذلك من شأنه تجنب أي إشكالات قد تنشأ مع الطلبة نتيجة الاستعانة بمدرسين من خارج الكادر الجامعي.

غير أن رد عبدالله الشامي كان كاشفاً لطبيعة الهدف الحقيقي من وراء هذه المقررات، فقد أوضح وهو يتحدث بلسان الحوثيين، أن المطلوب ليس مجرد تدريس المقرر أو الالتزام بمفرداته، وإنما اختيار المدرس القادر على غرس المفاهيم والأفكار التي تريدها الجماعة الحوثية في أذهان الطلبة. وبحسب ما قاله: فإنه لا يريد أستاذ الجامعة أن يتولى التدريس حتى لو التزم بالمقرر نفسه، لأن الأستاذ الجامعي من وجهة نظره لن يطرح المفاهيم والرؤى التي سيطرحها العناصر الحوثيون المؤدلجون الذين كُلفوا بهذه المهمة.

وقد بدا هذا الموقف متسقاً تماماً مع ما تحدث عنه عبدالسلام المميز خلال الدورة عندما أكد أن دور الأستاذ الجامعي يجب أن يقتصر على تنفيذ ما يُملى عليه دون أن يكون له دور حقيقي في اختيار المحتوى أو طريقة تقديمه، فالقضية بالنسبة للحوثيين لا تتعلق بالمقررات ذاتها بقدر ما تتعلق بمن يتولى تدريسها، وبالرسائل الفكرية التي يراد إيصالها من خلالها.

وفي ضوء هذا التوجه، أصدر عبدالله الشامي تعميماً موجهاً إلى الجامعات يقضي بعدم إسناد مقررات الثقافة الوطنية والصراع العربي الإسرائيلي والثقافة الإسلامية إلا إلى المدرسين الذين توافق عليهم الوزارة أو ترشحهم مكاتب التعبئة العامة في المحافظات، وهو ما عكس بوضوح أن الهدف لم يكن تعزيز العملية التعليمية أو الارتقاء بالمستوى الأكاديمي، وإنما إحكام السيطرة على المحتوى الفكري الذي يتلقاه الطلبة، وضمان أن يتم تقديمه بواسطة أشخاص ينتمون إلى المشروع الفكري للحوثية ويتبنون رؤيتها بصورة كاملة.

وللعودة للدورة ومع عبدالسلام المميز، فقد شن هجوماً على عدد من المقررات الجامعية، وعلى رأسها علم الاجتماع والفلسفة، معتبراً أنها مواد دخيلة على البيئة اليمنية وينبغي إعادة النظر فيها، ولم يتوقف عند ذلك، بل تحدث أيضاً عن ضرورة مراجعة مقررات التاريخ والعلوم السياسية والنظم السياسية، وهي مواد تسهم بطبيعتها في تشكيل الوعي العام للمجتمع، وهو الأمر الذي يبدو أن الحوثيين ينظرون إليه بكثير من الحساسية والقلق.

ولم يكتف بهذا القدر، بل تحدث عن وجود خطة شاملة لمواجهة ما يسميه الحوثيون بـ"الحرب الناعمة" داخل المدارس والجامعات، تشمل تنظيم ملابس الطلاب والطالبات، والحفلات والأنشطة والفعاليات المختلفة، وإخضاعها جميعاً لما يطلقون عليه "الثقافة الإيمانية", وأضاف أن هذه الإجراءات لن تقتصر على المؤسسات التعليمية، بل ستمتد إلى معارض الملابس ومحال الخياطة، مدعياً أنهم اكتشفوا وجود خياطين يعملون لصالح منظمات أجنبية بهدف محاربة "المسيرة"، وأن هؤلاء يتقاضون مبالغ مالية كبيرة مقابل ذلك، وأنهم يخضعون للتحقيق باعتبار أن الحوثيين حسب وصفه يقومون بدور حراس الفضيلة.

غير أن هذا الادعاء يصطدم بالواقع الذي يكشف شيئاً مختلفاً تماماً، إذ أن العديد من التقارير والشهادات تحدثت عن تورط عدد من المشرفين والنافذين الحوثيين في قضايا وسلوكيات غير أخلاقية، كما أن تقارير دولية وثقت مثل هذه الانتهاكات، فضلاً عن وجود حالات معروفة داخل بيئتهم الخاصة تكشف حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، ولعل قضية "زابن" أحد القيادات الحوثية تعد مثالاً يستشهد به كثيرون عند الحديث عن هذا الجانب.

وعندما أراد المتحدث أن يقدم دليلاً على ما اعتبره فساداً في التعليم وتأثيراً للمنظمات عليه، قام بعرض تسجيلات مصورة لما قال إنها اعترافات لعدد من الأكاديميين المتهمين بالتعاون مع منظمات أجنبية. والحال أن الجميع كان يعلم أن تلك الاعترافات انتزعت تحت الضغط والإكراه والتهديد.

وكانت في الأساس إهانة حوثية مبطنة يوجهها المحاضر الحوثي للأساتذة الحاضرين بغرض إذلالهم على اعتبار أن كل الموجودين مالم يكونوا مع الجماعة فهم مشاريع جواسيس على غرار زملائهم الذين تعرض اعترافاتهم باعتبارهم عملاء.

وخلال عرض هذه المقاطع وبخاصة تلك المتعلقة بالدكتور محمد حاتم المخلافي المعروف بنزاهته ووطنيته، بدا الاستياء واضحاً على وجوه الحاضرين من أعضاء هيئة التدريس، إذ شعروا أن أحد زملائهم يتعرض للظلم والتشهير أمام أعينهم.

وعندها وقف أحد أساتذة القانون المشاركين موقفاً شجاعاً وقال بصوت واضح: "أوقفوا هذه المهزلة، فنحن جميعاً نعرف الحق من الباطل، والدكتور محمد حاتم المخلافي معروف للجميع، ووفقاً للقانون لا يجوز عرض مثل هذه التسجيلات قبل صدور حكم قضائي نهائي بالإدانة، فإذا صدر حكم بالإدانة فأعدموه في ميدان عام".

كان لهذا الموقف أثر كبير في كشف الوجه الحقيقي للحوثيين، فبعد أن كانوا يتحدثون منذ بداية الدورة بلهجة ودودة ومجاملة، تبدلت نبرتهم فجأة إلى الصراخ والانفعال والتهجم، وظهرت وقاحة مغلفة بعبارات تحمل في طياتها التهديد.

ولم يتراجع ذلك الدكتور(س) عن موقفه، بل خاطبهم بثبات قائلاً: "إذا أردتم اعتقالي فأنا مستعد من الآن، وكل ما أطلبه أن تحضروا معي الأدوية والعلاج لأنني أعاني من أمراض مزمنة"، ثم جلس في مكانه بكل هدوء.

كان معظم الحاضرين متضامنين معه، ومستائين من الطريقة التي تعامل بها الحوثيون معه، فالرجل أستاذ قانون وبروفيسور، كما أنه ضيف لديهم في هذه الدورة، ومع ذلك جرى مخاطبته بأسلوب يفتقر إلى الاحترام واللياقة. وقد أثار ذلك في نفسي تساؤلاً منطقياً حول من يتحدثون كثيراً عن الأخلاق والقيم والمروءة بينما تغيب هذه الصفات عن سلوكهم العملي.

كانت معرفتي بذلك الدكتور قبل هذه الحادثة معرفة سطحية، لكن هذا الموقف رفع من مكانته في نظري كثيراً، وعندما سألت بعض زملائه عنه، أخبروني أنه ابن أحد السياسيين اليمنيين المخضرمين والثائرين الأوائل من جيل ثورة 26سبتمبر الخالدة رحمة الله تعالى تغشاه، الذين تولوا حقائب وزارية مهمة في حكومة الثورة وما بعدها في ستينيات القرن الماضي، إضافة إلى تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الاقتصادية المهمة، فوجدت في الدكتور بالفعل صورة تليق بتاريخ والده.

وقد ترددت كثيراً قبل أن أذكر هذه الواقعة، ثم انتهيت إلى قناعة بأن من الواجب توثيقها للتاريخ، لأن مثل هذه المواقف لا ينبغي أن تُنسى أو تُهمل، بل تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة، ولذلك رأيت أن أنقلها للأجيال القادمة حتى تعلم أن في هذا البلد رجالاً ما زالوا يتمسكون بمواقفهم مهما كانت الضغوط والتحديات.

كما كشف هذا الموقف حجم الزيف والتصنع الذي يحكم تعامل الحوثيين سواء داخل هذه الدورات أو داخل الجامعات، فعندما توافقهم الرأي أو تلتزم الصمت، يظهرون قدراً كبيراً من الود وحسن المعاملة، أما إذا اعترضت أو شعروا بأنك غير منسجم مع أفكارهم وتوجهاتهم، فإن أسلوبهم يتغير بصورة واضحة، ويتحول إلى وقاحة وقلة احترام، وقد يصل الأمر أحياناً إلى تعمد الإهانة، يعقب ذلك مسلسل من التضييق والمضايقات داخل الجامعة وفي محيط العمل، وقد يمتد أثر ذلك إلى أسرتك وأبنائك.

وقد بدا واضحاً أن هذا الموقف أفقدهم كثيراً من توازنهم، ومنذ تلك اللحظة أصبحوا أكثر حذراً في فتح باب النقاش مع المشاركين خلال ما تبقى من الدورة. ومن المفارقات أن عرض تسجيلات الاعترافات، الذي أراد المميز من خلاله تقديم دليل يدعم طرحه، تحول إلى عامل أضعف حجته أمام الحاضرين، إذ أثارت تلك المشاهد ردود فعل رافضة أكثر من كونها مقنعة، فصدق عليه المثل الشعبي القائل: "أراد أن يكحلها فأعماها".


شارك الخبر


طباعةإرسال