حين جاء خبر رحيل الفنان عدنان العطاس، بدا وكأن الأغنية الحضرمية قد أطفأت أحد أكثر مصابيحها إشراقاً، وهي لا تزال في كامل وهجها، برحيل واحدٍ من أبرز أصوات جيلها الشاب. لم يكن الراحل مجرد فنان عابر، بل كان مشروعاً فنياً كبيراً كنا نراه يكبر أمام أعيننا، ونؤمن أن الأيام كانت تخبئ له مكانة تليق بموهبته.
هو ذلك الصوت الذي شهدنا نشأته خطوةً خطوة، وكبر أمام أعيننا حتى صار اسماً نفاخر به بين الأجيال، ونقول بثقة نحن من جيل عدنان العطاس.
كان ممتلئاً بالفن، والشغف، والتواضع. كلما وقف على المسرح أعاد إلى الذاكرة حضور الكبار الأوائل؛ ذلك الوقار الفني وتلك الكاريزما التي عرفناها مع أبو بكر سالم ومرسال وعبد الرب إدريس. لم يكن يقلدهم، بل كان يحمل شيئاً من هيبتهم، ويبني شخصيته الخاصة بثبات، حتى بدا وكأننا أمام مشروع فنان كبير، تتشابه بداياته مع بدايات العمالقة.
لكن الطريق توقف فجأة.. انطفأت تلك البحة المخملية التي لا تشبه غيرها، وسكت ذلك الصوت المشبع بالشجن قبل أن يبلغ كل ما كنا ننتظره منه. توقف القلب، بينما كان الفن لا يزال في أوج عطائه، وكأن الحياة أغلقت الستارة قبل اكتمال أجمل فصول الحكاية.
ملأ عدنان الدنيا طرباً وحضوراً وبهجة، عرفته حضرموت قاطبة ؛ من ساحلها إلى واديها، ومن مدنها التاريخية إلى قراها البعيدة. حفظت الأزقة الطينية في تريم وشبام وسيئون ملامح صوته، ورددت جبال المكلا، وحوافي الشحر والغيل، أصداء أغنياته. كان واحداً من أنقى الأصوات التي قدمت الأغنية الحضرمية كما ينبغي أن تُقدم؛ أصيلة، رصينة، وعصرية في الوقت نفسه، بطريقته الخاصة التي لا تشبه إلا عدنان العطاس.
بالنسبة لي لم يكن عدنان العطاس مجرد فنان أستمع إليه. لم يجمعنا لقاء، وإن جمعتنا أسماء أصدقاء مشتركين، لكنه كان حاضراً في سنوات الغربة أكثر من كثيرين التقيناهم.
كان صوته يرافقني إلى غرف الأخبار والإعداد، وأهرب إليه كلما أثقلتني ضغوط الغربة. وفي المناسبات، كان أول الحاضرين. كانت أغانيه خيطاً يصلني بالبلاد ؛ بأهلها، ولهجتها، وهوائها، وذاكرتها، وكل التفاصيل التي يعجز البعد عن انتزاعها من القلب.
يرحل اليوم قبل أن نرى بلوغه إلى القمة التي كنا نؤمن أنها تنتظرك، رحل عدنان العطاس، لكن صوته سيظل شاهداً على موهبة حقيقية، وعلى مشروع فني كبير لم يمنحه القدر الوقت الكافي ليكتمل.
رحمك الله يا عدنان .. سيبقى صوتك يسكن ذاكرة حضرموت، ويعبر الأجيال، ويذكرنا دائماً بأن بعض الفنانين لا يرحلون عندما يصمت صوتهم، بل عندما يتوقف الناس عن ترديد ما غنوه وأنت، بإذن الله، ستظل حاضراً في قلوب محبيك.

أمين بارفيد